اتصالثقافة

استسلام لالا فاطمة سومر

ترجمته الى العربية : البهجة ستيت

ebsteit@outlook.com

لطالما كان الأمازيغ القبائل بالنسبة لنا كما كان حال أجدادهم تجاه الرومان و المسلمين ، أعداءا مروّعين . لقد حاربنا آخرهم بالجزائر ، نحن الآن و مع ذلك أكثر سعادة من أسلافنا ، فقد تمكّنا من الاستيلاء أخيرا على ملجئهم الكبير، ذلك التجمّع الجبليفي “جرجرة” .ظهرت امرأة خلال استسلامهم الأخير و أثناء المقاومة في القرن التاسع عشر الميلادي ، تماما كما ظهرت قبلها أخرى في القرن الثامن للميلاد .

لم تكن “لالا فاطمة” قط بمحاربة و لا بملكة ؛ لكن متنبّئة “مرابطة” . فهي تنحدر من عائلة قوية ، واسعة السلطة و شريفة منذ عدّة قرون مضت . كانت لامعة في إدراكها لتلك جميع الأمور الماضية و القادمة أيضا ، فرأفتها و إحسانها يساويان علمها و معرفتها . فهي كانت تداوي المرضى ، تعزّي البؤساء ، تساند و ترشد الضعفاء و تعفو على المذنبين أيضا .

لا تتشارك “فاطمة” في غيبات الضلال مع من حولها ، فلقد تنبّأت مسبقا بالهزيمة و حثّت على المقاومة ،إنه على المرء أن يموت بنبل و شرف . إن إقليم قبيلتها الآن هو الأكثر إضطرابا بمنطقة “جرجرة” ؛ فنحن نعتبره “كبحر هائج تحت العاصفة” . لجأ الأهالي الملاحقون و المدافعون عن أنفسهم بخشونتهم الطبيعية و ببركة “المرابطة” ليخيّموا بالقرية و الضيّع المجاورة مع أمتعتهم الأغلى قيمة . قام آخر المحاربون للقبيلة بحمايتهم ، حتى أن “فاطمة” نفسها و التي غالباما نبّأت بغزو النصارى، لم تهمل أبدا حرمانهم من أي تضّرع خارق لأجلهم .

أراد شقيقها الداهية و المتحمّس”سيدي الطيب” أثناء حملة المارشال “راندون” تجنّب الدّمار بأية وسيلة ؛ ليذهب الى معسكر الفرنجة و يقترح على الجنرال “يوسف” بأن يرشده الى أعالي جبال “جرجرة” تحت شرط معاهدة بإنقاذ منطقته ؛ على أن يلتزم علاوة على ذلك هو الآخر بأن لا يحمل أحد السلاح ، تمّ قبول هذه الشروط من الطرفين .

قاد “سيدي الطيب” صعود النصارى عبر الجانب الأيسر للصخور العالية”أكشور”، متجنّبا الدروب اليمنى المؤدية الى قبيلته ،لقد كان متسليّا في دهائه ذاك. سرعان ما إبتعد الفرنسيون و الذين كانوا يجهلون الكنوز المكدّسة بحوزة الأهالي في منطقته بدون أن يضعوا أيديهم عليها، ليبقى هو السّيد الوحيد هناك. بيد أنه لا أحد يمكنه الهروب من القدر .

جرّ بعض الهاربين ملاحقيهم من جنودنا “الزواو”1 بعددهم الخمسة الى المنطقة المحرّمة ، ليقتل واحد فيهم ؛ لقد وجب عندها الإنتقام للقتيل بأي ثمن كان ، ففيما ذهب الآخرون للتوّفي طلب المساعدة ، عاد معهم إثنين من الضباط برتب عالية متبوعين ببعض الرجال الذين صادفوهم ليدخلوا بخطى سريعة ، دقّت الأبواق بالقرية . لقد إستولوا عليها على الفور.

وصل القبطان “فورشو” على إثرهم مع فيض من جنود “الزواو” . كان هناك ثمانية أو عشرة من القبايل يترأسهم “الطيب” يمشون بمحاذاتهم ، حاملين أغصانا خضراء كدلالة على الإستسلام . غير أن ذلك كله مرّ عبثا ، فقد أطلق أول عيار ناري من القرية ؛لقد قام القبايل بنقض المعاهدة ، فلا شيء ينقذهم الآن من السلب و النهب .

تراكم بهذه الأثناء جمع من الناس بمنزل فسيح جدا يشبه القلعة و أبوا أن يفتحوا الباب . قام القبطان “فورشو” بكسره ، لتظهر على عتبته إمرأة مسنّة لكنها جميلة كانت لا تزال ، مرتدية برنوسا رقيقا و مغطاة بالحليّ . بحركة حاسمة منها أبعدت سلاح الحراب المتقاطعة أمامها ثم راحت تتقدم نحو القائد ، متعالية شامخة و شبه متوعّدة، كانت مستعدّة للإرتماء أمام العدو كأسقف من أجل إنقاذ شعبها . توقفت فجأة عند رؤيتها لشقيقها لتجهش في البكاء .

أقتيدت القافلة المكوّنة من الأسرى على قمة الجبل و عبر منفذ صعب للغاية نحو معسكر المارشال “راندون” . كانت النسوة تمشين مع أطفالهن على الأقدام ، بينما كانت “المرابطة” الوحيدة على ظهر بغل .وصلنابوقت متأخر في المساء ؛ إن الليل مظلم و بارد بهذه الأقاليم المرتفعة . بعد ثماني ساعات من الضباب و الحلكة مشيا بين دروب أشدّ انحدارا و قسوة ، ها هو المعسكر أخيرا مضيئا بنيران عسّس المخيمات ؛ بدا المارشال واقفا هناك أمام خيمته.

“لقد جئتك بلالا فاطمة و مائتين من الأسرى” قائلا له القبطان “فورشو”منحنيا . نزلت “فاطمة”على الأرض ملفوفة ببرنوسها لتتبع المارشال الى خيمته . أستجوبها المارشال ، لتردّ عليه بكل إعتزاز قائلة : “لقد دافع أهلي عن أنفسهم بعدما تمّ الهجوم عليهم بديارهم . أنا الآن أسيرتك و أنا لا ألومك ، فلا تلمني أنت في المقابل ، هذا الأمر كان مكتوبا” .

انسحبت “فاطمة” بعدها حين احتشد الضباط ، الجنود و التركو2 لرؤيتها ، من ثمّ قام المرشال متأثرا بتوزيع طعامه الخاص لحملته على المهزومين . لقد إنتهت منطقة القبايل العتيقة الحرّة واستسلمت”فاطمة” . بقيت سجينة لبعض الوقت ليطلق سراحها فيما بعد و تعود الى جبالها في “سومر” ؛هناك أين حظيت بإحترام جميع من حولها حتى آخر أيامها . لا يزال أحد أبناء أشقاءها ممّن إلتحقوا بمدارسنا محميّا بذكراها دائما.

 

  * مقتطف من المجلة الزرقاء ص. 808 -809 ، رقم:26 ، 25 جوان 1892؛ الجزء 69

نشر النص الأصلي في كتاب “أنباء منطقة القبايل” 1858 ، للكاتب الفرنسي “إيميل كاري”

——————–

  1. الجنود الزواف أو Zouaves  : و هم فرق المشاة الجزائريين من جيش شمال إفريقيا الفرنسي آنذاك .
  2. التركو أو Turcos: و هم القنّاصون أو الرماة الجزائريين كانوا تابعين لجيش شمال إفريقيا الفرنسي .

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم