اقتصاد وأعمال

انقطاع الكابل البحري للألياف البصرية: تخلف في التشريع والاستثمار عمره 15 عاما

عبد الوهاب بوكروح |

حادثة انقطاع الكابل البحري للألياف البصرية بين عنابة ومرسيليا يجب أن تعيد فتح النقاش الجدي بخصوص التخلف الحقيقي الذي تعانيه الجزائر ليس فقط في مجال البنية التحتية في مجال الاتصالات والمعلوماتية، وإنما في مجال التشريع المنظم للقطاع وهو تشريع يعود للعام 2000.

فالمعضلة لا تقتصر فقط على الخسائر المادية التي تكبدها الاقتصاد الجزائري على مدار قرابة الأسبوع بسبب عطب في الكابل البحري الذي يمثل 80% من التدفق بين الجزائر وبقية العالم، بقدر ما يكشف عن الهشاشة التي تعانيها البلاد في مجال قطاع استراتيجي وحساس أصبح يمثل عصب الصراع بين الاقتصاديات المتقدمة والمتخلفة.

هل يمكن قياس الخسائر المادية التي تتكبدها البلاد من جراء المزيد من التأخر في إقامة صناعة محلية في مجال تخزين المعلومات الرقمية محليا في الصحراء الجزائرية مثلا ووقف الاعتماد على سيرفرات ( Servers ) أو الخوادم (بالعربية) موجودة خارج البلاد سواء في فرنسا أو اسبانيا وايطاليا وحتى في الولايات المتحدة الامركية؟ ثم ماهي الخسارة الإستراتجية التي تتكبدها الجزائر في مجال الامن المعلوماتي عندما تضع معطيات الجزائريين الرقمية في يد شركة جوجل أو غيرها من الشركات، وهل هناك من يسال في الحكومة كيف تتعرف شركات الأدوية المتعددة الجنسيات على الأمراض الغالبة التي تصيب الجزائريين وهل عرف الساسة في الجزائر كيف يعرف وكيف عرفت هذه الشركات أسرار كان يفترض إنها تدخل في دائرة الأمن القومي للبلاد؟

الجواب سهل وبسيط، الحكومات المتعاقبة لم تفكر في تشجيع وتوفير المناخ المناسب لتطوير صناعة معلوماتية محلية من محتوى وطني وصولا إلى تخزين المعطيات ومعالجتها وحمايتها محليا سواء من قبل شركات وطنية أو بالشركة مع متعاملين أجانب يتوفرون على موثوقية عالية.

 

لماذا تم سحب مشروع القانون الذي اقترحه الوزير الأسبق بن حمادي؟

خبراء تكنولوجيا الاتصال الذين تحدثت إليهم “الجزائر اليوم”، أجمعوا على أن القوانين التي تحكم القطاع صدرت سنة 2000 ومنها القانون رقم 2000 – 03 المؤرخ في 5 أوت سنة 2000، المحدد للقواعد العامة المتعلقة بالبريد وبالمواصلات السلكية واللاسلكية، كلها تشريعات تجاوزها الزمن ولم تعد صالحة لضبط القطاع في سوق مفتوحة للمنافسة المحلية والدولية نتيجة التغييرات الجوهرية التي طرأت على السوق

الجزائرية خلال الـ15 سنة الأخيرة، سواء على المستويات التقنية والتكنولوجية وعادات الاستهلاك وشروط مزاولة أنشطة الأعمال، أو في مجال الاستثمارات في القطاع من قبل الشركات الجزائرية والأجنبية.

الغريب أن الحكومة لم تجهد نفسها في طرح بذيل أو حتى التفكير في نص يتماشى والتغيرات العامية في المجال وحاجات البلاد الاقتصادية والأمنية، فمنذ إحباط مشروع القانون الذي اقترحه الوزير الأسبق موسى بن حمادي وسحبه من البرلمان، تم غلق باب الاجتهاد وكأن البلاد عاقر، في الوقت الذي قطعت فيه دول الجوار ودول افريقية مسافات فلكية في المجال مقارنة مع الجزائر في الوقت الذي كان رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة يحلم بإنجاح مشروع الجزائر الرقمية منذ عقد على الأقل.

 

التشريع الحالي متخلف!

فريد فارح
فريد فارح – ص: الجزائر اليوم

يرى فريد فارح الخبير في مجال تكنولوجيا المعلومات والأستاذ بجامعة باب الزوار للعلوم والتكنولوجيا، أن القانون الجاري العمل به حاليا متخلف جدا إلى درجة أن بعض العبارات أصبحت غير صالحة تماما وأن بعض الممارسات في السوق ليس لها أية مرجعية قانونية، لأنها مستحدثة وظهرت بفضل التقنيات والتكنولوجيا الجديدة بعد صدور القانون الجزائري، كما أن نفس القانون العتيق يمنع المتعاملين في القطاع من إقامة استثمارات جديدة وخاصة في مجال المتعامل الافتراضي أو “التفكيك “(dégroupage) الذي يمكن أي متعامل آخر لا يملك الشبكة من تقديم خدمات متنوعة ومختلفة على شبكة تابعة لمتعامل آخر، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.

ويضيف المتحدث، أن الجزائر تعد من الدول القليلة في العالم التي لا تملك تعريفا محدد للتدفق السريع، مشيرا إلى استحالة توفير خدمة نوعية بدون تحديد تعريف قانوني للتدفق العالي، مما يتيح المجال للشركات العالمية في القطاع من فرض التسعيرة التي تريد حتى وان كان التدفق ضعيفا والخدمة رديئة.

هل يعقل يقول المتحدث، بيع 1 جيغا انترنت مقابل 2000 دج من قبل المتعاملين المحليين في حين أن شركة “فري” الفرنسية مثلا تبيع 50 جيغا مقابل 10 اورو ما يعادل تقريبا 1000 دج؟ مشددا على أن التشريع الجاري العمل به ساهم في ديمومة الركود في القطاع فضلا عن عدم تحديد بشكل صريح دور كل من وزارة البريد وتكنولوجيا الاتصال ودور سلطة الضبط للبريد والمواصلات والاتصالات السلكية واللاسلكية ودور السلطة الجزائرية المتخصصة في منح الذبذبات، بدقة مما أحدث هرجا ومرجا كبيرا في القطاع الذي يزداد تخلفا يوما بعد آخر.

واستطرد المتحدث أن سبب التخبط الحالي هو استمرار خوف الحكومة من المضي قدما نحو انفتاح حقيقي لقطاع الاتصالات على الرغم من الأشواط المتطورة التي قطعتها دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجال على حساب الجزائر على الرغم من الأهمية الإستراتيجية تقنيا واقتصاديا لتحرير القطاع بطريقة جدية وكاملة.

 

تطوير المحتوى الرقمي المحلي

دعا المتحدث الحكومة إلى وضع خوفها جانبا والعمل على إصدار قوانين جديدة لضبط القطاع بالشكل الذي يسمح لدولة مثل الجزائر باستدارك التأخر الفظيع، مشيرا إلى أن السوق الجزائرية بوزنها الحالي غير قادرة على جدب مستثمرين عالمين في المجال نتيجة الفوضى وضعف نسب المشتركين الفعليين في الانترنت البالغ حسب أرقام 2014 ما يعادل 6.6 مليون مشترك وهو رقم غير مغري لشركة مثل جوجل للمغامرة في سوق مثل السوق الجزائرية على الرغم من وجود طاقة بأسعار تنافسية ووجود صحراء شاسعة تسمح ببناء مراكز ضخمة لتخزين البيانات محليا مركز بيانات (Data center)، معتبرا أن الشراكة مهمة في مجال إقامة مراكز بيانات ولكن مع شركاء يتوفرون على موثوقية عالية، مع تشجيع الاستثمار في المحتوى الرقمي المحلي الذي تناسب وحاجيات الاقتصاد الوطني والحاجات اليومية للجزائريين.

وأضاف فارح، أن المشاكل والفوضى التي يعيشها القطاع من سنوات تعود إلى عجز السلطات على القيام بدورها والغياب التام للدولة في القطاع، مشددا على ضرورة إصدار قوانين جديدة تراعي التحولات التكنولوجية الجوهرية التي عرفها القطاع مع ضرورة أن تتضمن القوانين الجديدة تعريفا دقيقا لمصطلحات سوق الاتصالات وحالات الهيمنة والمنافسة وشروطها والجهات وشروط الحصول على الرخصة في مجال الاتصالات النقالة

والثابتة والتفكيك والمتعامل الافتراضي، وتعريف السوق بشكل جيد مع توفير مناخ أعمال جيد يوفر ضمانات لمستثمرين محليين وأجانب أو بالشراكة بطريقة تسمح بإقلاع حقيقي في مجال الاقتصاد الرقمي الذي نحتاجه اليوم لتعويض الخلل الهيكلي الذي يمثله تراجع أسعار المحروقات في السوق العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى