بين الفكر والسياسة

تغيير نظرتنا لذواتنا:انزلاقات الديمقراطية

بقلم نورالدين بوكروح

ترجمة عبد الحميد بن حسان 

ماذا يمكن أن يخطُر بِبالِ المُلاحظ الجزائري وهو يُتابع التطوّرات الحادثة فيما يرِد على صفحات الصحافة الدولية تحت عنوان “الووتربيس”( Waterpeace) الفرنسي؟ فبعيداً عن أحداث هذه الرواية البوليسية التي جَرَتْ على المباشر والتي شدّت انتباه الرأي العام العالمي الشّغوف بقصص أجهزة المُخابرات، تأتي اللحظة التي يتخلّى فيها العقل النيّر عن حيثياتها وتفاصيلها ليتساءل عن معناها وأبعادها، وهي اللحظة التي تتراجع الفُرْجة وتفسح المجال للتّأمّل فيما ينجرّ عن الديمقراطية من فضائل ومن اختلالات.

ولا مجال لتشبيه قضية “جرينبيس”(Greenpeace) بفضيحة واترجيت الأمريكية(Watergate) لأنّ وجه الشبه الوحيد بينهما هو ذلك الدور الذي لعبه الإعلام المحليّ في كلّ منهما. وبالفعل فإنّ فضيحة واترجيت كشفت عن مشكلة غياب النزاهة في السياسة الداخليّة. أمّا قضية “رينباوواريور”( RainbowWarrior )فهي تطرح مسألة معرفة إلى أي حدّ يمكن أن يصل الصراع بين مبدأين كحرية الصحافة ومصلحة الدولة مثلاً. ففي الحالة الأولى نجد أنّ الصّحافة الأمريكية كانت تريد الإطاحة برجلٍ ضُبِط مُتلبّساً بعمل غير نزيه، وهذا الرجل هو ريشاردنيكسنRichard Nixon. وكانت هذه الفضيحة فرصة تلذّذ فيها العالم بفضائل الديمقراطية.

 

أمّا في الحالة الثانية فإنّ الصحافة الفرنسية كانت تسعى إلى الإطاحة بالدولة الفرنسية وهي تظنّ أنها تصارع نظاماً سياسياًّ. وقد أدّتْ هذه القضية إلى موجة سخط عام في العالم لأن الصحافة ارتكبت خطأً فادحاً.

 

ولم تكن المعركة من الوضوح بحيث يسهل فهم مُجرياتها: فالدولة من جهتها، ووفاءً لتقاليدها في سياسة الدفاع، زجّت بنفسها في عمل عسكريّ غير مضمون العواقب ضدّ منظّمة سلمية ـ ليُصبح الفرنسيون هم أول مَنْ تكلّم عن إرهاب الدّولة ـ وذلك كان دفاعاً عن المصالح النووية الفرنسية التي أقرّتها أغلبية الفرنسيين. والصحافة من جهتها، ووفاء لمبدإ البحث عن الحقيقة أينما كانت، أُتيح لها ان تكتشف بعض الحقائق الخطيرة وأن تَزُجّ بالدولة الفرنسية في وضعية مُحرجة على الساحة الدوليّة.

 

ولا شكّ في أنّ وراء شغف الصحافة بالكشف عن الحقيقة وتعريف الناس بها رغبة جامحة في القضاء على نظامٍ سياسيّ مُتعثّرٍ أصلاً، وهذا قبل الانتخابات التشريعية بأشهر معدودة، وبذلك يتمّ القضاء على كلّ أملٍ في تأسيس حكومة وفاق بعد مارس 1986. وهذا كُلّه يُفسّر لنا لماذا لم تكتفِ الصحافة بالتهجم على الشخصيات الصغيرة وتطاولت حتى على الوجوه الأمامية على الساحة السياسية.

والمشكلة هي أنّ المُتضرر الأكبر في كلّ هذا ليست حكومة الاشتراكيين بل فرنسا بكاملها، وهو الضرر الذي ستبقى آثاره لزمن طويل. فالتعويضات التي ستُطالبُ بها زيلاندا الجديدة وحركة جرينبيس وبريطانيا على الضرر الذي لحقها، تلك التعويضات ستُدفع على عاتق المساهمين في النظام الضريبي الفرنسي. وإنّ السؤال الذي طرحه أحد الصحفيين البريطانيين والذي طلب من الناطق الرسمي لكتابة الدولة الأمريكية ما إذا كانت الولايات المتحدة تنوي تسجيل فرنسا في قائمة الدول المُدعّمة للإرهاب، هذا السؤال لا يُعدّ صفعة في وجه فرانسوا ميتران وحده، بل في وجه فرنسا كلّها، وهو يُذكّرنا بتلك التسمية الملحقةببريطانيا ” الغادرة” (Ah ! la perfide Albion).

وهكذا فإن الفرنسيين يشعرون بكثير من الأسف والندم في الوضع الراهن و الفوضى العارمة، عندما يذكرون دعوة إرنست رينان Ernest Renan إلى “فلنحصن أنفسنا منانزلاقات الديمقراطية !“، وهي الدعوة التي نادى بها عندما رأى النكسة الأخلاقية والعسكرية التي أصابت بلاده ودفعته إلى تأليف كتابه “الإصلاح الأخلاقي والفكري لفرنسا”(1871) على عجلة من أمره، مع أنه، هو نفسه كان يعتبر الديمقراطية “أحسن وسيلة لاستيعاب كل الفضائل التي عرفها العالم”.

وكان بإمكان الصحافة أن تتفادى هذا التسرّع الذي أدى إلى اختلاط الحابل بالنّابل لو أن صحفييها فكّروا في قول مونتيسكيو:” لو أنّ أمراً كانت لي فيه مصلحة شخصية وفيه مضرّة لعائلتي لتخلّيتُ عنه وتفاديتُ التفكير فيه. ولو أن أمْرا كانت لعائلتي فيه مصلحة لكنه ليس في صالح وطني فإني سأعمل على نسيانه”. لكنّ مونتيسكيو لم يكن بالعقل المُتعصّب والروح الشوفينية التي قد يبدو بها في هذه الأسطر القليلة، ولم يكن مثل ذلك اللورد البريطاني الذي قال: ” وطني هو وطني، مُخطئاً كان أَمْ على صواب)). إنّ مونتيسكيو هو ذلك الرجل العظيم الذي قال بالإضافة إلى هذا: ” لو أنّ أمْراً كان لوطني فيه مصلحة، لكنه سيُضرّ بأوروبا، أو كانت لأوروبا فيه مصلحة لكنه سيُضرّ بالبشرية، فإنني سأعتبره جريمة”.

فهل يمكن تفسير العنف الشديد الذي نددت به الصحافة الفرنسية بالعمل الفاشل الذي قامت به المديرية العامة للأمن الخارجي DGSE بكون تلك الصحافة ترى أنه جريمة مُفيدة لفرنسا لكنها ضارة بـ جرينبيس، وهي بالتالي ضارة بالسكان القاطنين في القطاع الذي جرت فيه التجارب النووية الفرنسية ؟ كلّ شيء يدعونا إلى التشكيك في ذلك لأن الصحافة الفرنسية لم تقف ضد مُتابعة التجارب النووية الفرنسية في المحيط الهادي بنفس الدرجة من العنف الذي هاجمت به دولة فرنسا من خلال الهجوم على السلطة الاشتراكية.

لكنْ، ومِنْ دون محاولة تقمّص دور المُعلِّم ، و لا الظهور كحاقد أو منتقم أيضا، ما رأي الجزائريّ البسيط في كلّ هذا، ، خاصّةً وأنّه لا ينسى أنّه هو كذلك كثيراً ما كان بمثابة حقل عمليات من هذا النوع؟ لا شكّ أنه يُدين تلك التجارب التي تجري ـ ليس على التراب الفرنسي أو في أعماق مياهها فحسب ـ بل وفي أيّ مكانٍ آخر. إنه يُدين كلّ تعَدٍّ يؤدّي إلى إراقة دماء الأبرياء، وكلّ مساس بسيادة دولة مُستقلّة… لكنه لا يفهم ما زاد عن ذلك، لا يفهم تلك التناقضات الموجودة في الديمقراطية وفي التعامل مع مفهوم”المصالح العُليا”. إنّ شعبنا مُقتنع بأن حُرّية الصحافة مكسب عظيم يتمّ الحصول عليه بالتدريج، شريطة ألاّ يكون ذلك على حساب شرف البلاد وكرامتها، وعلى حساب قِيَمِها، وعلى حساب سلامة الدولة وأمنها. فالتّعدّي على هذه الحدود المُطلقة يعني أنّ الديمقراطية تفقد كلّ معنى وكُلّ مُسوِّغٍ للعمل بها. وتبقى الديمقراطية جميلةً رغم عيوبها كما قال وينستن تشرشل بعباراته الخاصة، لكنها إذا بلغتْ الحدّ الذي رأيناه سابقاً تعدّت حدود كل العيوب وأصبحت نزعةً عدميّة.

 Algérie-Actualité  3أكتوبر 1985

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم