بين الفكر والسياسة

تغيير نظرتنا لذواتنا: اشتراكية البقرة الحلوب

بقلم نور الدين بوكروح

ترجمة ساعي عايــدة

 

” دوما ما يريد الشعب الخير، لكنه لا يحصّله دائما. وغالبا مايرى ممثلو الشعب الخير، لكن لا يريدونه دائما” (روسوJean-Jacques Rousseau)

 

في الأنظمة السياسية حيث مفاهيم المعارضة الشرعية لا معنى لها، يستحسن التمسك على الأقل، بتشجيع بروز فكر نقدي، لأن تجربة أنظمة الحزب الواحد التي سبقتنا برهنت أن غياب هذه الوظيفة – و التي يبررها الإجماع المزعوم الذي لا غبار عليه – قاد على أقل تقدير إلى أشكال من المعارضة، تظهر بملامح الطفيلي الذي يبحث دوما على المزيد، المنافق السياسي، المتمرد غير المعلن أو المنشق المستقبلي.

تنتمي هذه الظواهر، والتي زودت الصحافة الغربية بمادة للسخرية،إلىمنطق الحزب الواحد، فهي من صُنعها، ولا يمكن أن ننكرها لمجرد طبع “الخشونة” فينا، أو أن نتظاهر بجهلها، والأسوأ من ذلك، أن نعتقد بذلك أننا أكثر ذكاءا ومكرا من غيرنا، بل يجب اتخاذ إجراءات نافعة لإنقاذ بلدنا منها.

ظهر جليا في البلدان ذات نظام الحزب الواحد عجز مبدأ كـ”حرية التعبير في إطار الحزب الواحد”. فقد أكّد تطور الأفكار في العالم بما فيها العالم الاشتراكي، التطور الباهر للإعلام والدعم العالمي لحقوق الإنسان، الخاصية تقريبا الشاذة لهذا المبدأ العتيق،فلا يكمن استحقاق سلطة ما، في مجرد قبولها بالبحث عن أسباب الرضا و اليقين أنها على الدرب الصحيح، من خلال الصمت الظاهري لرأيها العام، بل في مجابهتها للفكر النقدي الصحي والمسؤول.

أثبتت التغطية التلفزيونية للنقاش حول إثراء الميثاق الوطني في بلدنا هذه الأيام، كما فعلت من قبل النقاشات حول السياسة الثقافية، قانون الأسرة أو قانون الإعلام، أن هذه المجابهة لا تدل على مواجهة ولا على أن حزب جبهة التحرير، مستعينا بتجارب الغير، يؤسس نهجه على أوسع نطاق ممكن للتعبير الديمقراطي.كما بيّنت هذه التغطية أننا لم نتخلص بعد من عادة الصمت الذي يُقطع كل عشر سنوات بجلسات تعويذات جماعية، لإبعاد العقل الخالص و التفكير السليم. لقد أثبتت انه إذا كان نقص التنظيم هو مصدر للفوضى فإن زيادة التنظيم سبب في الجمود، الاستئثار بالسلطة والآلية، لدرجة أن النقاش استحضر في لحظات من الجلسات العامة خطابات من” نصوص مختارة “.

كان من الممكن أن تكون عملية إثراء الميثاق الوطني التي دُعي الشعب إليها مهمة سهلة للمواطنين إذا كان قد سبقها، عدة أشهر من قبل، تحسيسٌ حول التقييم العمومي، ونقد حصيلة 23 سنة من الاشتراكية في الجزائر خلال المؤتمر الخامس لجبهة التحرير الوطني. حوصلةٌ كهذه كان من الممكن أن تساعد المواطنين على فهم ما هو مطلوب منهم بالضبط، إذا جُعل منها موضوعا للدراسة والتعاليق المتخصصة، مدعمة بالأرقام، تشمل كل القطاعات و الخبرات اللازمة. والأكثر لفتا للانتباه هو هل أنّ المهتمين بالراهن الوطني العمومي على علم أن عملا مثل هذا تم انجازه أم لا ؟

في الواقع، أمام الكاميرا و”مجمع حكماء” المسؤولين، أعطى الكثيرون، وهم مأخوذون بذلك الجو المهيب، الانطباع أنهم هناك لأداء فرض أو للقيام بامتحان شفهي. من جهة، تظهر أحيانا مداخلات مبدعة مدهشة من كثرة الوضوح و النضج. ومن جهة أخرى، تدخلات طيبة، مثيرة للمشاعر من كثرة صدقها. وبالموازاة شاهدنا لقطات تشبه الأدوار الإيمانية التي لا فائدة منها، التأكيدات والإعادات المملة، ” التحاليل” التي لا طعم لها و التي ينفيها الواقع، الذي يعرب عن إرادة حازمة في عدم التخلي عن اشتراكية البقرة الحلوب أكثر من كونه رغبة في إثراء الميثاق، عزيمة همجية ليس للاستمرار في الأكل من مزود العلف بل في أكل المزود نفسه إذا فقد العلف…

بالنسبة للبعض، المسألة تلقائية آلية، إنهم هنا، صارمون، حريصون على أن لا ترِد أي كلمة جديدة قد تُفسد الجو العام الصافي للغة الخشب، على أن لا تمر فكرة جديدة إلى متحف حفظ الأفكار الميتة التي تحتل مكانا في عقولهم. لكن للبعض الآخر،المسألة مسألة فكرة مسبقة، إنهم مدافعو و حماة المواقع التي حصلوا عليها و حصّلوا منها العديد من المكاسب، هم هناك لتعطيل كل إثراء قد يسبب إضعاف مواقعهم في الحياة، الأمر الذي يخشونه كثيرا.هؤلاء هم من نجد بينهم مرشحين لترقيات اجتماعية لم يكونوا ليستحقوها أبدا عن كفاءتهم الخاصة و قيمتهم الأصلية. الإثراء، موضوع الحديث، ليس ذلك الذي يتعلق بالأدبيات الموجودة في النص، بل بالحياة الوطنية من خلال مؤسساتها، جهازها الاقتصادي، نظامها السياسي، تطوير حظوظها لمواجهة مستقبل، لن يكون ساطعا كما يحاول بائعوالأساطير الترويج له و التغرير به، بل سيكون صعبا كما تترقبه التوجهات العالمية.

على هذا النوع من المواطنين و المناضلين، و هم بالتأكيد أهل بلاغة بامتياز، أن يتعلموا الاستفادة من الاهتمام بلغة الأرقام كقراءة ميزان المدفوعات لبلدهم مثلا.عندها سيظهر لهم بلدهم على حقيقته، من ظرف دولي إلى آخر، و ليس ما يعتقدونه الوضع الدائم وبشكل قطعي ابدي. فإن اعتقدوا أنفسهم ماهرين في تحديد نهاية قلق ما بعد البترول مع أواخر سنوات التسعينيات، لن يكون لديهم الوقت الكافي للاستفاقة من مفاجئتهم إذا غامرت العربية السعودية ونفذت تهديداتها الأخيرة بتخفيض سعر البرميل إلى 15 دولار.

من يرفض أن يكرس لاشتراكية البقرة الحلوب ولاءا خالدا إذا علم أنها أبدية ؟  هو يرى أنها اشتراكية مجانية وسهلة، لكنها كالشراب الذي يجعل النظر، و بالأحرى النظر القاصر،مغبشا غير واضح . ما يحول دون ذلك هو كونها لا تملك هذه الخاصية فقط، فهذه الاشتراكية لم توفر ما توفره إلا لأن الجزائر هي عطاء الصحراء كما قيل عن مصر أنها عطاء النيل. لكن إن كان هذا النهر يجري منذ الأزل دون أن يفقر أو يغني الإنسان و الروح المصرية، فان بترولنا سينفذ يوما ما و هذا مما صار معروفا حاليا، لكن ما لا نعرفه جيدا، أنه في انتظار ذلك ممكن له أن يسيل دون أن يكون له قيمة كبيرة.

 

أي شعب في العالم يريد مصلحته وخيره دون أن يعرف أين توجد في مرحلة معيّنة: يوجدان في التخلي عن الأوهام والأساطير، في تجاوز المصالح الشخصية العاجلة، في العمل الذؤوب والمضني الذي يضمن المستقبل، وليس في الحياة السهلة بلا قيود، بين ثدي البقرة الحلوب والكلام الفارغ لبعض ” المفوضين عن الشعب”، والذين لن يتصوروا أبدا أن يروا كلامهم المعسول وامتيازاتهم الصغيرة قد يُعاد النظر فيها. يمكنهم أن يروا و يستشفوا قليلا خير شعبهم، لكن لا يريدونه لأنه سيتسبب في زوالهم كطفيليات أو مواطنين من الدرجة الأولى. و تجدر الإشارة إلى أن الشعب إن كان قد فوّض بضعة أشخاص، هناك كثيرون ممن فوضوا أنفسهم بأنفسهم كي يقرؤوا له الكف و يوشوشوا له أين يكمن خيره الكبير.

أراد الشعب الجزائري وقبِل بنظام الحزب الواحد، لأنه رأى فيه باكرا أسلوب التنظيم الذي يتلائم مع فترة التحرير وبعد الإستقلال على السواء. إذ لم تكن التعددية الحزبية لتقوده إلى الاستقلال، فهو لم يكن مخولا لأن يسيّرها، بمعنى أن يجعله سريعا من الشروط اللازمة لتشييد الدولة المركزية، لترسيخ الوحدة الوطنية ولجمع كل الطاقات البشرية والمسارعة في التحكم في الثروات الاقتصادية الوطنية. إذن فقد تثبت هذا النظام منذ البداية كضرورة تاريخية وسيظل كذلك حتى وإن علمنا، من تجربتنا و تجربة دول أخرى، انه في نفس الوقت يمثل التنظيم السياسي الأكثر ملائمة لتشكيل الأوليغارشيا التي تجد نفسها في الوضع الأمثل للحكم دون تكليف أو مُسائلة.

سنقتبس من أبطال التعددية، رغما عنهم، هذه الحجة التي تبدو صحيحة : لا يكمن المشكل في مجرد مناقشة وحدة الحزب أو البحث عن بديل لحزب جبهة التحرير، بل في البحث على إيجاد وسائل لإبطال الأضرار التي يمكن أن تنتج من هذه  الوحدوية، وتؤثر سلبا على تطور مجتمع لم تبق تشكله الطبقات التي عرفت و حاربت المستعمر، والذي يجد، من جهة أخرى، نفسه خاضعا لقوة جذب عالم عصري تشغله الفعّالية على الكلام المعسول الذي لا يسمن و لا يغني من جوع. هذه المساوئ موجودة في العلن و هي: الانغلاق والجمود النافي لكل قيمة فردية، الفقر الفكري، التركيز على مكاسب الاستحقاقات الانتخابية وحسب، خلق مناصب خاصة فقط للمسيرين التابعين للحزب الواحد، الانشقاقات بين المناضلين و غير المناضلين.

أما فيما يخص التجديد الاجتماعي المثبت بإحصائيات معروفة لدى الجميع، علينا أن نتعلم أيضا مع توكفيل Tocqueville أن:” المجتمعات لا تهرم وتشيخ بنفس كيفية شيخوخة الإنسان، وكل جيل يولد في أحضانها كأنه شعب جديد سُلم ليد المُشرّع “. يمكن أن يتشكل ويتبلور فكر سياسي جزائري محض، جزائريّ بامتياز انطلاقا من التفكير في هذه المساوئ وسبل معارضتها. من المُسلّم به أن الاعتراف و محاربة هذه المساوئ من الداخل، سيكبح تغذية المزايدة الديماغوجية للمنشقين الذين يعملون من باريس، الرباط، جنيف و طرابلس على زرع الشك و تحطيم الروابط الأخلاقية و السياسية للشعب الجزائري بالهمس له أن الجزائري لن يجد خلاصه سوى بين أيديهم المباركة.

لا يمكن منطقيا للحزب الواحد، و كانت هذه واحدة من مطالب المتدخلين في النقاشات، أن يكون من فعل رجال يودون أن يكونوا وحدهم، و يفرضوا فكرهم الوحدوي، ومعادلاتهم الشخصية الخاصة. لابد أن يثبت قدرته على أن يمثل بالفعل الطليعة، النخبة الأخلاقية و السياسية للأمة. هذه العناصر بما فيها تلك الموجودة في المنظمات الجماهيرية لابد أن تُستأصل من حسّ الناس الذين يرون فيهم “مناضلين”، أو بالأحرى رجال ذوو التركيبة الغامضة و المؤهلات المشكوكة، الذين يملكون الوقت لممارسة فن لغة الخشب، و تنظيم اجتماعات بدون موضوع و لا نتيجة تذكر. لابد أن يصبح للنضالية تعريفا مقبولا و مقنعا، محتوى يتعلق بنشاط معروفِ الفائدة، دور خلاّق للثروة، و ليس مجرد “هواء و ريح” أو تطفل.على الحزب، من خلال مكوناته أن يتكيف مع الأزمنة الحديثة، و ليس على هذه الأخيرة أن تبحث على مكانها في فضاء بقي يميزه الخطاب الغامض، رغم التحولات القيّمة لهذه السنوات الأخيرة!

بنفس الطريقة التي تَبلى بها الأشياء و المعدات ويلغى استعمالها، تنتهي اللغة التي تُستعمل كثيرا و أساليب التفكير المهجورة إلى عدم إعطاء أية مردودية. لابد إذن من إصلاحها وتعويضها خشية البقاء يوما ما كالضائع في أرض فلاة. لم يفعل القائد الصيني دانغDeng Xiao Ping ، والرئيس غورباتشوف، والزعيم كاسترو وآخرين شيئا سوى محاولة، كل واحد منهم حسب مشاكله وأسلوبه، تكييف مؤسساتهم لمتطلبات الأزمنة الجديدة: التغيير والانفتاح الديموقراطي…ومما لا يمكن إنكاره، فإلى وقت قريب، و لا يمكننا إخفاء ذلك، لا يتحدثون في الخارج عن “جزائر جبهة التحرير” بل عن “جزائر الكولونال”. هو أكيد أسلوب لاستفزاز الجزائريين، وتشبيههم بالعديد من الدول الإفريقية حبيسةُ قدر الانقلابات. لكن لان حزب جبهة التحرير لم تظهر إلا كإطار نظري، كظل شبحي، وكأنها”وزارة الكلام الفارغ” تكلف بمهام غير حقيقية كقيادة حملة التشجير أو المشاركة المناسباتية كديكور في حملة انتخابات بلدية.

لابد أن نمحو مفارقة، رغم أن هذا لا يهم كثيرا، أنْ ليس الحزب هو من أقام دولة القانون، بل الدولة هي التي أقامت خلال السنوات الست الأخيرة حزب القانون. لكن الأهم هو أن يعود حزب جبهة التحرير إلى دوره الأساسي لإرضاء كل الجزائريين. مع معرفة المسؤوليات الحقيقية و السامية التي هي إلى الآن مسؤولياته، على الحزب أن يتحفظ من التطور إلى أنماط أصبحت تقليدية للحزب الواحد، كما عرفتها و كرهتها الشعوب التي سبقتنا في هذه الطريق. هم على الأقل، لهم عذر أن لم يكن لهم أسلاف، لان الخطر الأكبر الذي يترقب كل حزب واحد هو إتباع الجسر السهل والمغري للديماغوجية، المحسوبية، العشائرية، و بدل أن تصبح الوحدة حجة لتوحيد الأشخاص، وذريعة لتكوين الوصوليين، لابد أن تكون الوحدة الذاتية لكل الأمة. فأي نظام أفضل للوقاية، للدفاع وللحماية من تشجيع الفكر النقديّ، المسؤول، الإيجابي و البناء؟

 

« Algérie-Actualité » 10 أكتوبر 1985

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى