أراء وتحاليلاتصالالعالم

  سوريا في زمن الصحوة !

*عبد الله بوزاري / إعلامي و كاتب صحفي/ الجزائر/

abdalahbouzari@yahoo.fr

أيُّ تحوّلٍ ستشهده سورية بعد “الصحوة” العربية المفاجئة،بانطلاق عددٍ من الدّول العربية نحو إعادة علاقاتها الدبلوماسية المقطوعة إلى سابق عهدها، الإمارات العربية المتحدة  كانت أولى هذه الدول التي رفرف عَلمُها مجددا،على مبنى قنصليتها في العاصمة السورية دمشق في آخر يوم خميس من هذا العام،معلنةً عن عودة علاقاتها الرسمية مع ما كان يُصطلح عليه بـ”النظام السوري”.

آخر الأخبار تقول إن مملكة البحرين تُعدّ العُدّة لنفس الخطوة،و قد تتبعها دول خليجية أخرى، قد تكون المملكة العربية السعودية أبرزَها، بالنظر إلى ثقلها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي.

أَجزم أنّ العودةَ الإماراتية إلى سورية،تمت بتنسيق سعودي خالص، بالنظر إلى الترابط الوثيق بين الدولتين،والذي ازداد قوّةً بعد اندلاع الأزمة مع دولة قطر في جوان 2017 ، أزمة فجّرت تحالفا خليجيا تركيّا كان من أبرز الفاعلين في المشهد السوري،بالنظر إلى دعم هذا التحالف لحركاتٍ و تنظيماتٍ سياسية و مسلحة،تعارض الحكومة السورية .

جاءت عملية اغتيال الصّحفي السعودي جمال خاشقجي مطلع أكتوبر من هذا العام في قنصلية بلاده باسطنبول،لتنسف ما تبقى من هيكل هذا التحالف الخليجي التركي المتآكل ، أزمةٌ قلبت الرأي العام العالمي و ألقت ب”حممها”على “الصّيدة السورية الفلتانة”،على حد وصف رئيس الوزراء و وزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم، حين كان يتحدث في عز الأزمة الخليجية،عن كواليس و أسرار تسيير الملف السوري.

بلا شكّ فإن أحداثا كثيرة مُهمّة وَجّهت القرار الخليجي وسَرَّعَتْه فالولايات المتحدة الأمريكية ،”أذعنت” أخيرا لمعطيات الميدان،و أعلن رئيسها دونالد ترامب انسحاب قوات بلاده من سورية، كما أن الجيش السوري يتقدم على أكثر من جبهة،موسّعًا مساحة سيطرته إلى أكثر من سبعين بالمائة من الجغرافية السورية ، زيادة على الحركية التي عادت إلى المعابر الحدودية مع الأردن و العراق ، و كذا الجولة الخاطفة للرئيس السوداني عمر حسن البشير إلى الشام في طائرة رئاسية روسية و تحت حماية المقاتلات الروسية،و لقائه بالرئيس بشار الأسد،في أول زيارة لرئيس عربي إلى سوريا منذ اندلاع الإحتجاجات في البلاد العام 2011 .

من يقرأ بيان خارجية الإمارات العربية المتحدة، حول عودة النشاط الدبلوماسي لسفارتها في دمشق،سيلحظ أنّ كاتبه حرص بعناية كبيرة،على اختيار العبارات “المناسبة” لهذا القرار،بدقة كبيرة وبلهجةِ دبلوماسيةِ ما قبل عام 2011،البيان أكد على أن هذه الخطوة تؤكد حرص أبو ظبي على “إعادة العلاقات بين البلدين الشقيقين إلى مسارها الطبيعي بما يعزز ويفعل الدور العربي في دعم استقلال وسيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية ودرء مخاطر التدخلات الإقليمية في الشأن العربي السوري”، نعم هكذا جاء الموقف الإماراتي صريحا،و بهذه الكلمات التي لم تُسمع موجهةً للحكومة السورية،منذ سبع سنين من عمر الحرب الأهلية السورية،على الأقل جهرا هكذا .

الاستفاقة العربية هاته، و بغضّ النظر عن مسبّباتها وأهدافها وتوقيتها، تُحِيلُنا إلى مواقفِ دول عربية أخرى، كانت تنادي إلى الوقوف مع سورية كدولة و شعب لا كرئيس ، ككينونة وكتاريخ وكحضارة ، نعم كانت الدولة الجزائرية في مقدمة البلدان التي نادت بذلك، و وقفت وحيدة للدفاع عن تواجد الجمهورية العربية السورية في الجامعة العربية،حين تم تعليق عضويتها بعد أسابيع من اندلاع الاحتجاجات عام 2011 .

خلال العام  2013 عارضت الجزائر بشدة منح المقعد السوري في الجامعة العربية لما يسمى “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة”، وفي عز الحرب في سورية ، لم تقطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع سورية ، وتواصل التنسيق بين البلدين و معه استمر الخط الجوي بين العاصمة الجزائرية و العاصمة السورية في النشاط ، واستقبلت الجزائر عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين و احتضنهم الشعب الجزائري، مع ما رافق ذلك من حملات إعلامية هوجاء شيطنت الجزائر و صوّرتها كداعم لأنظمة “تقتل شعوبها” ، فعلت الجزائر كل هذا بلا مَنّ ٍ ولا مزية منها، لأن واجب الأخوّة و المبادئ يقتضي ذلك.

لم تلتفت الجزائر لهذه الحملات و حتى التصريحات الاستفزازية ، يقينا أولا ًمنها أن الأمر يتعلق بمبادئ استلهمتها من ثورتها المجيدة ، و سنّتها على نفسها : “لا تدخّل في الشؤون الداخلية في الدول و احترام وحدة الدول” ، و يقينًا ثانياَ بأن “تخلي العرب على سورية سيفتح الباب أمام الأغراب ليملؤا الفراغ”، هذا ما تؤمن به الجزائر وهذا ما حدث فعلا ً، فبعد سبع سنوات من الحرب التي قضى فيها أكثر من 02 مليون بين قتيل و جريح ، و خسرت سورية نحو 250 مليار دولار، تقسمت البلاد “سياسيا” إلى مناطق نفوذ لقوى إقليمية ودولية .

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم