أراء وتحاليلالجزائرالرئيسيةسلايدر

أزمة العهدة الخامسة:الجيش بين “فخ التدخل الخشن” و” مخرج التدخل اللين”

*قراءة سياسية في مقترحات المعارضة، وسيناريوهات قبل 28 أفريل وما بعدها

وضعت مجموعة من أحزاب المعارضة وبعض النقابات وبعض الشخصيات السياسية والأكاديمية في الجزائر خلال اجتماع لها في مقر حزب العدالة والتنمية يوم 23 مارس الجاري «خريطة طريق» لمرحلة انتقالية، في اقتراح منهم للخروج من الأزمة السياسية الحالية بسبب استمرار الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في الحكم، وعدم إرسال أي مؤشر على أنه سيغادر الحكم بتاريخ 28 أفريل موعد نهاية عهدته الرابعة.

وتنص خريطة الطريق على مرحلة انتقالية لمدة 6 أشهر بمرافقة الجيش، وتتضمن تشكيل «هيئة رئاسية» لإدارة شؤون البلاد، على أن تتكون الهيئة من شخصيات وطنية «مشهود لها بالمصداقية والكفاءة» وعدم جواز ترشح أي من أعضاء هيئة الرئاسة في الانتخابات الرئاسية المقبلة أو حتى دعم أي مرشح رئاسي. وتقوم هذه الهيئة بتشكيل حكومة تصريف أعمال، وتعديل قانون الانتخابات، لكي تضمن نزاهتها، وتشرف على الانتخابات الرئاسية مطلع شهر نوفمبر 2019.

ورغم أن بوتفليقة تراجع عن الترشح لعهدة خامسة، وألغى الانتخابات، لكنه لم يصل إلى حد التنحي عن المنصب وقال إنه سيبقى في السلطة لحين إقرار دستور جديد، مما زاد من تصعيد في المسيرات الشعبية، وتوالي خرائط الطريق للخروج من الأزمة. لكن من بين الانتقادات الموجهة لاقتراح المعارضة، ما يلي:

1 – إن هذا الاقتراح في حد ذاته لم تجمع عليه المعارضة، فهو اقتراح مجموعة أحزاب فقط، بينما لم تشارك عدة أحزاب معارضة في هذا الاجتماع لأن لديها خريطة طريق أخرى أو أجندات أخرى، مثل التجمع الوطني الديمقراطي، وجبهة القوى الاشتراكية التي مازالت متمسكة بفكرة المجلس التأسيسي، وحزب العمال الذي دعا لتشكيل لجان شعبية في كل مكان استعدادا للمرحلة القادمة.

2 – إن خريطة الطريق هذه مبنية على تصور سياسي، يبدأ تنفيذه بعد 28 أبريل، أي بعد نهاية عهدة بوتفليقة، أي في حالة انسحابه أو تنحيه بدون وضع حلول للأزمة، بمعنى سوف تكون الجزائر أمام  فراغ دستوري، لم ينص الدستور على كيفية ملأه، رغم أن كثيرا من فقهاء القانون الدستوري يعتقدون أن ذلك يعتبر “شغور” يخضع للمادة 102، لكن في هذا الشغور يصطدم بعدم منح الدستور صلاحيات رئيس الجمهورية.

3 – المعارضة تجاهلت فترة شهر المتبقية من رئاسة بوتفليقة، التي يمكن خلالها إيجاد حل دستوري، على غرار الاستقالة.

4 – كذلك تنطلق المعارضة من كون السلطة الحاكمة قد انهزمت كلية ولم تبق لاعبا سياسيا، ولم يعد بمقدورها توليد اقتراحات تمكن الرئيس بوتفليقة من الإستمرار بطرق أخرى بهدف استكمال ما اسماه “واجبه الأخير” المتمثل في تعديل الدستور وتأسيس جمهورية جديدة، بمعنى تجاهلت الإصرار على ذلك، الذي يمكن أن يتم بتطبيق المادة 107 من الدستور، أي إعلان الحالة الاستثنائية، التي تمنح الغطاء الدستوري لبقاء بوتفليقة رئيسا. وهذا المخرج يرفضه الشارع.

5 – إن فكرة “الهيئة الرئاسية الجماعية” المقترحة تعود بالجزائر 30 سنة إلى الخلف، اي إلى عام 1992 عندما تم تشكيل المجلس الأعلى للدولة برئاسة المرحوم محمد بوضياف، ثم إن تشكيل هذه الهيئة يطرح عدة تساؤلات، أولها من يكوّن هذه الهيئة أومن يعيّنها؟ وثانيا: مهما كانت هذه الهيئة فإنها لن تلق إجماع الجزائريين، أي سوف يطعن فيها من البداية مثلما حدث مع الوزير الأول نور الدين بدوي الذي طعن فيه بسرعة البرق من قبل الحراك ومن قبل الأحزاب، كما يطرح السؤال حول مدى شرعية هذه الهيئة.

وهذا يعني أن هذا المقترح للخروج من الأزمة، سيدخل الجزائر في أزمة أخرى إسمها “هيئة الرئاسة” مثلما هناك حاليا أزمة “تشكيل الحكومة” التي جعلت بدوى يجتمع مع وزراء الحكومة السابقة ويأمرهم بمواصلة تصريف الأعمال.

6 – هناك إشكال في كيفية مرافقة الجيش لخريطة طريق المعارضة، ففي حالة قيامه بالمساهمة في تكوين أو تعيين الهيئة الرئاسية، والحكومة، فإن هذا يعتبره الكثيرون فخ قد يقع فيه الجيش لأنه يكون قد تخلى عن مهامه الدستورية وتدخل في الشأن السياسي، وبعدها سيتحمل وزر  هذه الأزمة السياسية.

7 – من الناحية المبدئية يطالب كثير من السياسيين أن يبقى الجيش بعيدا عن السياسة، وإذا وصلت الجزائر إلى مرحلة الخطر الداهم، فهناك منطق آخر، فالجيش هو الذي يتعين عليه أن يبادر برسم خريطة طريق، وليس يرافق خريطة جزء من المعارضة. والسيناريو المصري ليس مستبعدا، بعد تاريخ 28 أبريل.

8 – لا تحمل وثيقة المعارضة مقترحا، يجنب الجزائر تطبيق المادة 107 أو الوصول إلى النموذج المصري، كل ما في الأمر، أن الموقعون على الوثيقة يهدفون تحقيق مكاسب حزبية بالدرجة الأولى، فما هو الفرق بين تنظيم رئاسيات بهيئة رئاسية معينة خلال 6 أشهر، واقتراح بوتفليقة المنتهية ولايته ندوة وطنية وتنظيم رئاسيات خلال أقل من سنة؟ الفرق هو أن المعارضة تتخوف من أن يقوم النظام بترتيب بيته في حالة بقاء بوتفليقة، ويتخوف الآخرون من عودة التعيينات على طريقة 1992 حينما سيطر العلمانيون وغير الشرعيين على مقاليد الحكم في الجزائر على شاكلة المجلس الانتقالي.

10 – إن أرضية المعارضة للخروج من الأزمة، تعتبر مقبولة، في حالة ما إذا كانت عبارة عن خريطة طريق مقترحة للحوار مع الجميع (المعارضة والموالاة والحراك والسلطة ايضا)، بهدف الخروج من الأزمة، بمعنى أن تكون خالية من الفكر الإقصائي.

وبعد هذه القراءة، فإنني كمتتبع ومحلل، أعتقد أننا أمام السيناريوهات التالية:

1 – سيناريوهات قبل 28 أبريل

أ – ما زلت أعتقد أن أفضل سيناريو هو الاستقالة، وتمر بالخطوات التي شرحتها في مقالي السابق، في “الجزائر اليوم“، أو خلال مداخلاتي التلفزيونية المتعددة (الدزاير نويز، النهار، الشروق، والقناة الوطنية) وهي: إعلان بوتفليقة عن عدم استمراره في الحكم بعد نهاية عهدته بتاريخ  28 أفريل، تليها تشكيل حكومة جديدة ، ثم تشكيل لجنة وطنية لمراقبة الإنتخابات، ثم تعديل المادة 194 من الدستور لكي تعطى لهذه اللجنة صلاحيات واسعة تضمن انتخابات رئاسية نزيهة، بعدها يقوم بتسليم الاستقالة، ويتولى بن صالح أو رئيس المجلس الدستوري رئاسة الدولة بالنيابة لمدة 90 يوما تختتم بانتخابات رئاسية.

ب – إذا لم يتغلب هذا السيناريو، معناه أن بوتفليقة (أو محيطه) مصر على تمديد العهدة الرابعة، وهذا لن يتم إلا بتطبيق المادة 107 أي الحالة الاستثنائية، فبموجبها يبقى رئيسا، وينظم ندوة وطنية بمن حضر، وحكومة بمن أراد، ثم يعدل الدستور، وينظم الانتخابات القادمة.

2 – سيناريوهات ما بعد 28 أبريل

إذا انقضت عهدة الرئيس، بدون تحقق سيناريوهات قبل 28 أبريل، فإن سيناريوهات بعد هذا التاريخ، هي سيناريوهات الأزمة، أي سناريوهات سياسية لإخراج البلاد من أزمتها، وهي كما يلي:

أ – السيناريو الذي اقترحته المعارضة، بتشكيل هيئة رئاسية، أو تكليف شخصية واحدة، تنتهي بانتخابات رئاسية في فترة أقل من سنة.

ب – يمكن اعتبار نهاية الفترة الرئاسية لبوتفليقة بمثابة “شغور منصب الرئاسة”، ويتم تكليف رئيس مجلس الأمة برئاسة الدولة بالنيابة، وتنظيم الانتخابات الرئاسية بعد 90 يوما. لكن هذا المخرج صعب إذا لم يتم تشكيل حكومة ولجنة مراقبة الانتخابات قبل تاريخ 28 أبريل.

ج – السيناريو المصري، حيث يتدخل، الجيش يمسك زمام الأمور، ويرتب العودة للشرعية بعد سنة أو أكثر.

أفضل دور للجيش

أصبح الحديث عن دور الجيش كثيفا، سواء في الحراك الشعبي أو على المستوى الحزبي، وإنني أعتقد أن أفضل تدخل للجيش، يتمثل في الدفع نحو استقالة الرئيس بوتفليقة قبل 28 أبريل، وتكليف بن صالح برئاسة الدولة، وتنظيم انتخابات رئاسية بعد 90 يوما، أو بعد 6 أشهر من خلال الإتفاق مع أحزاب المعارضة، بمعنى يستمر بن صالح 3 أشهر إضافية بدلا من هيئة رئاسية، حتى يتجنب الجيش تحمل وزر التبعات السياسية.

  • د . محمد لعقاب 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم