أراء وتحاليلالجزائرالرئيسيةسلايدر

أزمة العهدة الخامسة بين الحلول الدستورية والحلول السياسية:هل تنجو الجزائر من الكارثة؟

د . محمد لعقاب

تشهد الجزائر في الوقت الراهن أزمة حقيقية، تتمحور أساسا حول رفض المتظاهرين ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة، ورغبة الرئيس أو محيطه في ترشحه، هذا النقيض بين موقف الشارع وموقف السلطة ينبئ بحدوث الكارثة، لكن الوقت لم ينته بعد من أجل إيجاد حل سلمي وسلس لهذه الأزمة.

مشهد ثلاثي معقد: الشارع  المعارضة وبوتفليقة وتباين الأهداف والحسابات من خلال استقراء الوضع الراهن يبدو المشهد كما يلي:

1 – الشارع هو اللاعب الأساسي مطلبه واضح ووحيد لحد الآن، هو رفض العهدة الخامسة، وهذا المطلب بالنظر للوضع الصحي للرئيس وظروف ترشحه يمكن تلبيته بالاحتكام لنصوص الدستور.

لكن التعنت في الاستماع لصوته قد يجعله في ظل الشحن العاطفي يعدل مطالبه إلى المطالبة برحيل النظام وحتى أحزاب الموالاة. وقد تتطور الأحداث تبعا لذلك نحو الأسوأ.

كما أن الشعار النبيل الذي رفعته المسيرات والاحتجاجات وهو “السلمية”، التي أشاد بها الجميع بما فيها الحكومة والرئيس بوتفليقة في رسالته بمناسبة عيد المرأة، وحتى المراقبين الأجانب، قد تخرج عن سلميتها تدريجيا، خاصة في حالة توغل “صعاليك” بين المتظاهرين والقيام بأعمال شغب والمساس بالممتلكات العامة والخاصة.

وبينت التجارب العالمية وحتى الوطنية أن هذا النوع من الاحتجاجات السلمية قد تصعب السيطرة عليه مع مرور الوقت في حالة عدم وجود تجاوب سريع مع مطالب المتظاهرين.

مشكل الشارع أنه لا يملك ناطقا باسمه يمكن أن يمثله في حال تطور الأزمة نحو ضرورة حدوث مفاوضات.

وفي المحصلة فإن مطلب الشارع اليوم يتلخص في عدم ترشح بوتفليقة لكنه لا يقدم آليات تنفيذ هذا المطلب.

2 – المشهد الثاني يمثله النظام الحاكم، ورغم أن هذه العبارة هلامية، فإنه يبدو أن النظام هو الذي رشح بوتفليقة، بعد التفاف عدة أحزاب ومنظمات حوله. ويبدو أنه لحد الآن ورغم مرور نحو ثلاثة أسابيع من المسيرات والاحتجاجات عبر كامل التراب الوطني في وسط كامل القطاعات المهنية فإنه لا مؤشر عل التراجع عن ها الخيار.

لكنه مقابل ذلك، قدم بوتفليقة بعض التنازلات، تتمثل في الرسالة التي قرأها مدير حملته الانتخابية عبد الغني زعلان،التي تعهد فيها بوتفليقة بتنظيم انتخابات رئاسية مسبقة في أقل من سنة بعد عقد الندوة الوطنية وتعديل الدستور. وهذا معناه أنه نظريا لم تعد هناك عهدة خامسة، إنما ما يشبه مرحلة انتقالية التي طالبت بها عدة أحزاب.

مشكلة هذا التنازل أن كلا من الشارع وأحزاب المعارضة فهمته على أنه مراوغة ومحاولة للإلتفاف على مطلب الشعب والمتمثل في عدم الترشح أصلا، والشق الثاني من مشكلة هذا التنازل هو أن جماعة بوتفليقة لم تقدر على تسويق هذه الفكرة.

والمشكلة الأخرى، أن المعارضة والحراك الشعبي لا يجد ضمانات لهذه الرسالة، ويبدو أن هناك رغبة في أن يكون الجيش هو الضامن.

3 – المشهد الثالث يتمثل في أحزاب المعارضة، هذه الأحزاب تجاوزها الشارع تماما، ولم تكن تراهن عليه إطلاقا ولم تتوقع أن الشارع سيصنع الفرق بعد أن دعا شباب الفيسبوك إلى التظاهر، لكن بعد نجاح المسيرة الأولى يوم 22 فبراير، عملت أحزاب المعارضة بسرعة على استغلالها لصالحها، الأمر الذي جعلها تكون حاضرة بقوة في مسيرة 1 مارس، غير أن المتظاهرين رفضوهم وانتقدوهم وطردوهم من المسيرات، مثلما حدث مع لويزة حنون، وجددوا نفس الموقف يوم 8 مارس عندما طردوا الجنرال علي غديري من التجمهر معهم، وهو آخر من التحق بالحراك الشعبي.

وفي محاولة منها لاستثمار ما حققه الشارع، عقدت المعارضة ثلاثة اجتماعات متتالية: الأول فشلت فيه في ترشيح مرشح واحد يمثلها، بسبب كل معارض يرغب في أن يكن و وليس غيره من يمثل المعارضة، وفي الثاني أعلنوا التحاقهم بالحراك الرافض للعهدة الخامسة لأنه جاء بعد مسيرة 22 فبراير، وطالبوا فيه بتفعيل المادة 102 من الدستور التي تنص على شغور منصب الرئيس، وتميز الاجتماع الثالث الذي جاء قبل يوم واحد من مسيرة 8 مارس برفض التدخلات الخارجية والدعوة لتأجيل الانتخابات.

مشكلة المعارضة أنها متفرقة حتى لو اجتمعت، لأن أهدافها متباينة، والثاني أن الحراك الشعبي تجاوزها، والثالث أنها لم تقدم آليات تأجيل الانتخابات، لأن التأجيل بالشكل المطروح يبقى غير دستوري، والرابع أن المعني المباشر وهو بوتفليقة يتمسك بتنظيم الانتخابات في موعدها.

آليات حل الأزمة

لحد اللحظة لم تفلت الأمور، ويمكن بسهولة تطويق الأزمة ومنعها من الإنفلات، ومن خلال تطبيق بنود الدستور، وإلى جانب هذا هناك حل سياسي ممكن تنفيذه.

أولا  – الحل الدستوري، هناك عدة طرق لحل الأزمة والتجاوب مع الشعب، عن طريق ثلاث حالات:

1– الاستقالة طوعا: حيث يقدم الرئيس استقالته بسبب تدهور وضعه الصحي، وحينها تؤجل الانتخابات 90 يوما ويرأس الجزائر في هذه الفترة عبد القادر بن صالح.

2 – إعلان حالة الشغور، بتطبيق المادة 102، حيث يقوم المجلس الدستوري بتبليغ البرلمان بغرفتيه بوجود “مانع” ، ويصادق البرلمان بأغلبية الثلثين، ويرأس الدولة رئيس مجلس الأمة بالنيابة لمدة 45 يوما، وإذا استمر المانع، بعدها، يعلن الشغور رسميا والاستقالة وجوبا، ويكلف رئيس مجلس الأمة برئاسة الدولة بالنيابة لمدة 90، تتم بعدها الإنتخابات الرئاسية، أي أنه في حالة تطبيق المادة 102 ستؤول الإنتخابات 135 يوما، أي 4 أشهر و15 يوما.

ويعتبر الحل الأول والثاني مثالي، لأنه يقضي على الإحتقان الشعبي، ويعطي الفرصة لجميع الفاعلين في ترتيب أوراقهم وتحضير مرشحيهم، للانتخابات الجديدة.

3 – رفض المجلس الدستوري لملف بوتفليقة: يستطيع دستوريا المجلس الدستوري أن يرفض ملف ترشح بوتفليقة لأسباب صحية، ويبدو أن قبول الملف سيخلق مشكلة أخلاقية، خاصة أن كل وسائل الإعلام الدولية تحدثت عن مرضه خاصة الإعلام السويسري. هذا الخيار يبدو أن ليس خيارا أمثلا، لأنه يطعن في مصداقية الأطراف التي تقف وراء ترشح بوتفليقة من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الانتخابات بموجب هذا الخيار لا تتأجل وإنما تستمر بمن وافق عليهم المجلس الدستوري، والمرشحون المحتملون لقبول ملفاتهم حسب كثير من المحللين لا يملكون الخبرة الكافية لترأس الجمهورية.

ثانيا: المخارج السياسية: خيارات عاجلة وأخرى لاحقة

إلى جانب المخارج الدستورية لحل الأزمة وتجنب الكارثة، هناك مخارج سياسية أيضا، تستند هذه المخارج لتعهد بوتفليقة بتنظيم انتخابات مسبقة في مدة تقل عن سنة، وهذا يعتبر في حد ذاته تأجيل دستوري. لكن هذا المخرج يصطدم برفض الشارع، لكن يمكن للشارع أن يوافق في حالة ما إذا توافقت المعارضة، التي تطالب بالتأجيل بدون سند دستوري، والأحزاب المؤيدة لبوتفليقة، وتقليص المدة لـ 8 أشهر مثلا.

غير أن هذا ينبغي أن يكون مصحوبا بمؤشرات تبين فعلا أن الرئيس يرغب بجد في تغيير النظام، أهم هذه المؤشرات 4 وهي:

1 – إبعاد أحمد أويحيى وبعض الوجوه الوزارية التي شهدت قطاعاتها بعض الفوضى وعلى رأسها قطاع التربية، وهناك حاليا حديث عن تغيير حكومي بمجرد عودة الرئيس للجزائر من جنيف يشمل أحمد أويحيى ونحو 6 وزراء لتخفيف حدة الاحتقان الشعبي الكاره لهذه الوجوه، والتي كانت، خاصة الوزير الأول، أحد أهم مسببات الأزمة الراهنة، فلو بقي تبون وزير أول مع الالتفاف الشعبي الذي حظي به لكان ممكنا تجنب الأزمة الراهنة. وإن كان هذا الخيار متؤخرا نسبيا، فإنه يبقى من المؤشرات المساعدة على الحل السياسي.

من مسيرة اليوم الجمعة في العاصمة 8مارس 2019 – صورة ابراهيم لعمري – الجزائر اليوم

2 – تغيير رئيس الهيئة المستقلة لمراقبة الإنتخابات بسبب رفضه من قبل أحزاب المعارضة.

3 – اتخاذ موقف جريء ضد بعض رجال المال والأعمال الذين يعتبرهم الرأي العام بمثابة “عصابة” استولت عل المال العام وتدخلت في السياسة فعفنتها.

4 – عدم الاكتفاء بالالتزام بتنظيم رئاسيات مسبقة ويتعين على الرئيس أن يضيف لها تنظيم انتخابات برلمانية ومحلية مسبقة.

 

المخارج الكارثية: الحالة الاستثنائية والقضاء على حلم التغيير

إذا لم يتمكن الفاعلون من تجاوز أزمة العهدة الخامسة، بطرق دستورية أو سياسية، فإنه من المؤكد أن نصل إلى حلول كارثية، تتمثل في حالة الطوارئ وربما الحالة الاستثنائية، هذه الحلول هي حلول دستورية، لكنها تعود بنا 30 سنة إلى الوراء أي إلى عام 1992 عندما جيء بالرئيس الأسبق المرحوم محمد بوضياف من المغرب لترأس المجلس الأعلى للدولة، ونعيد البناء من جديد.

ومساوئ هذه الحلول هو أن الدستور يتعطل، وربما يتم فرض حالة منع التجول، وينهار الأمن العام وغيرها من الإجراءات التعيسة. ويبقى النظام هو من يتحكم في كل شيء ويتم العصف بما تحقق من مكاسب، والقضاء عل حلم التغيير.

مكانة الجيش من الأزمة

كل الناس، شخصيات، ومعارضة، ومواطنون يتطلعون لموقف الجيش، ولحد اللحظة يبدو أن الجيش قد ترك السياسة للسياسيين، والتزم بمهامه الدستورية، ولا يرغب في التضحية باللحمة بين الشعب والجيش التي أثنى عليه الفريق أحمد قايد صالح وافتتاحية مجلة الجيش في عددها الأخير، لكن في حالة فشل السياسيين، وتعفن الوضع، فإن الجيش سيتدخل طبقا لمهامه الدستورية، لذلك ينبغي على الجيش أن يوجه باتجاه حل دستوري أو سياسي، بمعنى أن يتدخل الآن بطريقة لينة أفضل من تدخله غدا بطريقة خشنة.

الفريق قايد صالح – تمنراست 28 فبراير 2019

خلاصة

مما سبق عرضه، يمكن القول أن مسيرات الحشود قد وضعت العهدة الخامسة ولو بسنة واحدة في حرج شديد، والحال يقتضي عدم زيادة مستوى الشحن العاطفي للشارع، إنما إيثار مصلحة الجزائر على مصلحة الحزب أو الشخص. ومنه فإنني أدعو إلى العمل الجاد لحل الأزمة في إطار المخرج الدستوري أو المخرج السياسي. ومن يحب الجزائر، وشعبها، ويحرص على استقرارها وأمنها، يتعين عليه أن يضحي.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم