بين الفكر والسياسة

إنقاذ المسلمين من الإسلاموية

بقلم: نور الدين بوكروح

ترجمة: هشام بـــاي

مرّ ربع قرن منذ ظهور الإرهاب، لكنه مازال باستطاعته أن يكبدنا خسائر من قبيل تلك المجزرة التي حدثت بولاية عين الدفلى، إذ لم يتعاف الجزائريون من صدمة المجازر الرمضانية في ولاية غرداية حتى فاجأتهم مجازر أخرى في أول يوم من أيام العيد.

لماذا لم تحدث مجازر مروعة في تونس زمن بن علي، بينما تعددت حتى أصبحت شبه مألوفة منذ اليوم الذي غادر فيه السلطة ؟ الجواب، الكل يعتقد أنه يعرفه: لقد كان يمسك تونس بيد من حديد… و لكن حسب علمنا بن علي، عندما غادر تونس مع زوجته و أولاده، لم يأخذ إلى منفاه السعودي اليد الحديدية، لقد بقيت مكانها. مما يستدعي سؤالا آخر: لماذا فقدت هذه اليد الحديدية السيطرة على الأمن في البلاد ؟

عُرف عن الرئيس قايد السبسي كونه لا يتسامح مع الإسلاموية، فلا يمكن اتهامه بالحسابات السياسوية كالتي اتُّهم بها الأشخاص الذين رافقوا مسيرة المصالحة الوطنية في الجزائر، و التي أفضت إلى نزع سلاح الجيش الإسلامي للإنقاذ AIS و الجماعة الإسلامية المسلحة GIA و الجماعة السلفية للدعوة و القتال GSPC. و لكن لبرهة فقط، سنحاول أن نصدق مدني مزراق و هؤلاء الذين يدعون للإعتراف الدبلوماسي بالدولة الإسلامية المعروفة اختصارا بداعش مقابل أن لا يكون مصير الجزائر حربا لا ينطفئ لهيبها كما يعدنا بها بعض من مواطنينا المنضوين تحت لوائها.

و كدليل على ذلك الحزم، أعلن السبسي الآمر لليد الحديدية الحرب الشاملة على الإرهاب و نادى إلى إستراتيجية جديدة تتطلب إمكانيات هامة لا تمتلكها الدولة التونسية بمفردها. إذا كان يقصد الرئيس التونسي بهذه الإستراتيجية إجراءات أمنية جديدة، فهو بذلك لم يأت بالشيء الجديد نسبة إلى من سبقوه، والذين واجهوا نفس المشكلة قبله. و سوف لن يزول بذلك الإرهاب من بلاده .

بطبيعة الحال، يجب أن تُجند كل الإمكانيات الأمنية و العسكرية التي بحوزة العالم بأسره ضد الإرهاب، و لكن كل ذلك لن يكون كافيا. ليس لأن الإرهاب أقوى من كل العالم، و لكن بالنظر إلى طبيعته الخبيثة و المراوغة و قدرته على التوالد إلى ما لانهاية سوف يتمكن من البقاء على قيد الحياة مادام لم يفصل عن مصدر الطاقة الذي يغذيه و يساعده على ذلك التوالد المستمر، الإسلاموية بكل صورها : التكفيرية، الجهادية، السلفية، الأصولية …

في زمن بن علي، كانت الديمقراطية و الإسلاموية غير شرعيتان.  فالتونسيون يعلمون إذن من أين جاء الإرهاب و هو ما تثبته التجربة الجزائرية المجاورة. هل يجب مع ذلك إلقاء اللوم على أكتوبر 88 و ثورة الياسمين؟ هل يجب حظر الديموقراطية في الدول الإسلامية وهل علينا التخلي عنها فقط للمحافظة على الهدوء؟. سيكون الأمر كمن يعترف أن المستبدين و المماليك كانوا على صواب..

الإسلاموية نبتت في أرض المسلمين و في كل مكان وجدت فيه طينة بشرية مسلمة. الديمقراطية لم تعطها إلا دفعة إضافية لم تعطها إياها الأنظمة العربية . لكن الأنترنت و شبكات التواصل الإجتماعي منحتها إياها و بالمجان : الإنخراط بالمراسلة، التجنيد عن بعد، العمل في المنزل… “داعش” علامة مسجلة” (Franchise) لا تحتاج لأن ترسل وحدات إلى بلد بعينه. المقاتلون المتطوعون موجودون في عين المكان ينتظرون اللحظة المناسبة و السلاح و التعليمات من أجل البدء في العمل. القمصان السوداء موجودة في الأسواق كما يوجد القماش الأسود الذي تقطع منه الأعلام و العُصابات. بضعة آلاف فقط من الدنانير و مظاهر الرعب كلها متوفرة.

كان التونسيون ينظرون إلينا بنظرة استغراب حتى لا نقول نظرة سخرية إبان سنوات التسعينات دون أن يترددوا في السؤال خفية أو بصوت عال: لماذا يتقاتل هؤلاء الجزائريون فيما بينهم ؟ أتذكر جيدا أسئلة زملائي الوزراء التونسيين و السوريين و الليبيين و المصريين و جنسيات عربية أخرى عندما كانوا يبدون لي تلك الملاحظات بذلك النوع من الكلمات و بشيء من التحسر (و لكن ليس كثيرا) أثناء الإجتماعات النصف سنوية التي تنظمها الجامعة العربية في القاهرة، ملاحظات كانت تولد في نفسي بغض تلك اللقاءات و النفور من حضورها.

الإرهاب الإسلاموي لم يتراجع منذ ظهوره، لكنه انتقل من مكان إلى آخر و ازدادت حدته، و انتهى بأن غطى عدة بلدان في آن واحد، و على الأقل إنتشر على مستوى قارتين. و ها هي “داعش” تطفيء شمعتها الأولى، بينما نحن يبدو لنا و بالنظر إلى “منجزاتها” أنها كانت موجودة منذ عهد تيمورلينك (Tamerlan) أو حتى عصر القرامطة. لا يوجد سوى شيء واحد يمكن فعله إذا أردنا أن نجتث هذا الطاعون الأسود : الذهاب مباشرة إلى المصدر و قطع التيار من العداد و فصل الإسلام عن الإسلاموية  بل و إنقاذه منها. يتعلق الأمر هنا بإطلاق عملية تجديد مفهوم الإسلام للعالم كما كان يتمناه الرسول و كما عبر عنه في حديثه الشهير : “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها . هذا الأمل الذي حمله المفكرون و لم يتوصلوا لكيفية تجسيده أو وجدوا أنفسهم في مواجهة العلم القديم. وحده التجديد العميق للعلوم الإسلامية والفقه هو الذي بإمكانه أن يعطي النفس الجديد .

كل شعوب العالم تتساءل في ذهول لماذا يتقاتل المسلمون و يدمرون أوطانهم. الإرهابي التونسي الذي ارتكب مجزرة سوسة كان طالبا في هندسة الكمبيوتر يبلغ من العمر 23 سنة قدم من القيروان، لكن الحافز الذي دفعه لارتكاب جريمته لم يكن شخصيا و لم يولد في القيروان. الفكرة التي جندته ولدت قبله، فقد جاءت من الخارج و من بنات أفكار المصري سيد قطب و الباكستاني أبو الأعلى المودودي و من كل الفضائيات التابعة للعديد من الدول العربية و الإسلامية بما فيها البلد الذي ينتمي إليه و كذلك من معسكرات التدريب في أفغانستان، باكستان، سورية، ليبيا…

تسعى كل أجهزة الإستخبارات في العالم للقبض على منفذي العمليات الإرهابية و لكنها لا تبحث وراء الأفكار التي ألهمتهم تلك العمليات. الأمر يشبه مرحلة حضر الكحول في الولايات المتحدة، عندما كان مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI يجري وراء قنينات الخمر و يترك المعصرات تدور بأقصى طاقتها و يدع آل كابون (Al Capone)  و معاونيه يلهون في الحانات. هل هذه هي طريقة تفكير من قال أننا سنحتاج إلى أجيال عديدة من أجل القضاء على الإرهاب ؟ ذلك محتمل … فالإرهاب الماركسي الذي كان يصبو لإقامة مجتمع بدون طبقات لم يختفي من أوربا إلا بعد سقوط جدار برلين و معه الأيديولوجية الماركسية. كان يجب أن نتعلم من أجهزة الشرطة العالمية ما هي المبررات التي تدفع هؤلاء الإرهابيين إلى ارتكاب تلك الأعمال عندما يتم القبض عليهم. كنا نتمنى أن تكون هناك دراسات مقارنة انطلاقا من أرشيف الشرطة و المحاكم و أن تنشر تلك الدراسات حول فئات سفاحي الجملة من مجرمي الحق العام من جهة و الإرهابيين الإسلاميين من جهة ثانية. هذه الدراسات من شأنها أن تساهم في تنوير الرأي العام و المحللين و المسؤولين السياسيين و مساعدتهم على اتخاذ القرارات الصحيحة إزاء هذه الظاهرة المتصاعدة على مستوى كل العالم .

كل الجرائم لديها دوافع شخصية أو نفسية أو مادية، إلا هذا النوع من الجرائم الذي ليس هو من نوع جرائم الدم و لا جرائم العصابات و لا جرائم الحرب، و لكنها جرائم أيديولوجية و فلسفية و دينية. إنها ليست جرائم فردية بل جرائم غير شخصية، جماعية. لن تتوقف طالما دوافعها تتجول بكل حرية. نظرية “المؤامرة من الخارج” لا تفسر لنا لماذا آلاف الجهاديين يموتون في سبيل الخطط الإستراتيجية لإسرائيل و الولايات المتحدة و الغرب. فكون هؤلاء يجدون مصالحهم في ذلك و يشجعون على استعار الحرب العالمية الإسلامية، فهذا يدخل في نطاق توقعاتنا، و ليس لنا إلا أن نلوم أنفسنا و نلوم عجزنا عن الدفاع عن مصالحنا و عدم قدرتنا على إصلاح جوهرنا البالي و الذي لم يعد يتماشى مع متطلبات القرن الواحد و العشرين.

الخلاصة التي يجب أن نخرج بها هي أن العدو الحقيقي للإسلام و المسلمين هي الأفكار الإسلاموية بالدرجة الأولى و بدرجة أدنى من يحملون هذه الأفكار سواء رجالا أو نساء، كبارا أو صغارا، أغنياءً أو فقراءَ. إنهم يموتون في عمليات انتحارية أو يقتلون من طرف رجال الأمن و مباشرة بعد ذلك يحمل المشعل آخرون في أماكن أخرى، على قارات أخرى، غير معروفين لدى مصالح الأمن و المخابرات و بدون سوابق عدلية و بدون لحى مشبوهة أو لباس مميز كما ثبت في العمليات التي استهدفت فرنسا عدة مرات.

الإرهابيون يسقطون أو أنهم يوضعون في السجون بينما الأفكار التي حولتهم إلى قتلة بالجملة تتجول في كل مكان و في كل الإتجاهات: مساجد، مواقع التواصل الاجتماعي، قنوات تلفزيونية، كتب … هذه الأفكار تدرس في المؤسسات الإسلامية المختلفة و تلقن على أنها أهدافا سامية يجب بلوغها. و حين يقرر هؤلاء الذين تشبعوا بكل هذه الأفكار أن يطبقوا ما تعلموه على أرض الواقع، يصطدمون بالرفض والمنع من طرف حكوماتهم التي تتهمهم بـ”الإنحراف” و “ممارسة السياسة”. من هذه التناقضات ولد الإرهاب في كل مكان أطل فيه : في زمن القرامطة، الحشاشين، خاصة بزعامة شيخ الجبل، أو في عصرنا هذا .

كيف استطاعت هذه البديهية أن تفلت من إدراك السلطات التي تحارب الإسلاموية ؟ لماذا لم يتم الربط بين ” علم ” تجاوزه الزمن و أصبح مقبرة “للأفكار الميتة” (مالك بن نبي) التي تتعارض مع أبسط القيم الإنسانية، و التشدد الذي يعتري النفوس و نهايته الطبيعية، الإرهاب ؟ ذلك هو التناقض الكبير الذي تعيشه الدول الإسلامية التي ترفض أن تعالج أصل المشكلة و تواصل فقط في التعامل مع مظاهرها و نتائجها . أيتها الحكومات العمياء، لماذا تمتنعون عن النظر إلى الحقيقة مباشرة ؟ سوف تجرفكم كلكم، أنتم وبلدانكم و دينكم !

العوام المسلمون يعرفون جيدا ماذا ينتظرهم في “الدولة الإسلامية ” ولكن لا يبدو عليهم القلق. أولا، لأنهم يتصورون أنها الوسيلة الوحيدة التي سوف تلجم الغرب والصهيونية. ثم هم بصدد الإنتظار حتى يتضح الإتجاه الذي سوف تميل إليه كفة الميزان، ثم أخذ القرار بعدها. لو وجد مسلم واحد من الألف تستهويه الإسلاموية من الـ 400 مليون عربي مسلم، سوف يكون بين يدي الإرهاب خزان من 400 ألف مرشح، بينما تكفي بضعة مئات منهم حتى يشتعل بلد بأسره و يغرق في الدماء. الإسلاموية ليست في تراجع، إنها في انتشار و توسع. لقد قامت بمجرد انحناءة واختارت التمويه و سبل الدعوة و الشحذ المدني، باستغلال المشاعر الخيرة للناس حتى تصبح ثقافة اجتماعية مألوفة. الإسلاموية على مشارف أن تصبح الطريقة الوحيدة للعيش كـ”مسلم “.

بثت “داعش” إعلانا تتبنى من خلاله مسؤوليتها على اعتداءات فرنسا في 13 من نوفمبر2015، واستهلته بالآية القرآنية 2 من سورة الحشر :”وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ “. و لم ينكر أي عالم أو منظمة إسلامية هذا التوظيف الإجرامي لآيات القران الكريم رغم ضرورة ذلك، ليس فقط لكونها تبرر جرائم لا يبررها الإسلام،بل ، وبالعودة إلى معنى الآية الموظفة، لنسب هذه الأفعال الشنيعة إلى الله. إذن بهذا الشكل أيّ شخص يمكنه إستخراج أيّ آية من القرآن ثم يرتكب أيّ جريمة دون أن يفكر”العلم “الرسمي في طريقة لإيقاف الاستغلال الوحشي و المتطرف للقرآن، للحديث و للإسلام إجمالا.

الإرهابي مراوغ صامت كالفكرة السيئة، بإمكانه أن يفلت بين عيون الشبكة و يفاجئك، لأننا لا نعرف من هو و لا كيف نستطيع أن نميزه . الحركات الإرهابية التي ظهرت في العالم على اختلاف أنواعها و اختلاف مصادرها كانت دائما سرية، إنها لا تسكن المدن و لا تخوض حربا بالمعنى التقليدي و لا تتنقل بشاحنات و دبابات و لا تستعمل صواريخ و لا تتصرف كجيش غازي و لا تستحود على المواقع الأثرية المصنفة كتراث إنساني من أجل تدميرها و لا على آبار البترول ، كان دائما هذا دأب الإرهاب الجزائري و المصري و القاعدة و ال GIA و ال AIS و ال AQMI منذ سنوات، كنا نعرف شعارها و زعيمها و لكن لم نكن نرى وحدات مدرعة و لا مواكب من الشاحنات و لا إعدام للرهائن في الميادين العامة …
أما حشود داعش فإنها تقتل و تقطع الرؤوس و تحرق مسلمين و مسيحيين و يزيديين و تدمر الآثار باسم الدولة الإسلامية التي هم عازمون على إقامتها بقوة الحديد و النار على مستوى العالم بأسره . غايتهم النهائية كما يزعمون، القدس و إسرائيل.

الغرب يترك الحبل على الغارب إلى حد الآن، لأن الكثير من الدول المصنفة في خانة العداء لإسرائيل قد تم عمليا تحطيمها : سوريا، العراق، اليمن، ليبيا …بينما دول أخرى تم إضعافها لمدة طويلة و ربما إلى الأبد : باكستان، أفغانستان، السودان، مصر، نيجيريا،النيجر، التشاد …

نهاية العالم Apocalypse كما وصفها القديس يوحنا منذ ألفي سنة و التي قال أنها ستكون المعركة الأخيرة بين الخير و الشر تحت أسم ” أرماجيدون ” Armageddon . توقع أن رحاها ستدور على أرض الشرق الأوسط . الذين تجذبهم الروايات التنبئية للقديس يوحنا سوف يرون في “داعش” فرسان نهاية العالم التي ستستعجلها إسرائيل باللجوء إلى السلاح النووي لو أنها شعرت بخطر حقيقي يهدد وجودها .

تحدث حولنا أشياء عظيمة لا نفهمها و لا نعرف مدى أهميتها و لا نعرف نتائجها المباشرة و غير المباشرة الحاضرة أو المستقبلية. لا يوجد أحد يوضح لنا ماذا يجري عدى ما نلتقطه من وسائل الإعلام الأجنبية منها خاصة أو كالتي نتفحصها بفضل بصيرتنا. سوف لن تتوضح الأمور إلا بعدما ينتهي كل شيء و تصبح النتائج المتوقعة علينا جلية واضحة. و على العموم ، سوف يكون الوقت متأخرا حينها. تماما كالمسافرين الذين يتم إنزالهم من مركبة في مكان خالي قبل أن يكتشفوا أن الوجهة قد تم تغييرها لأسباب أخفيت عليهم بزعم أن ذلك كان لمصلحتهم .

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم