أراء وتحاليلالعالم

إنه عصر دونالد ترامب: صدمة كبيرة للغرب .. فرصة سانحة للعرب..؟!

د. محمد لعقاب

موقف يحمل كثير من الغرابة أن يعتقد العرب سياسييهم ومحلليهم وإعلامييهم وصول دونالد ترامب إلى السلطة على أنه “صدمة”، بل “صدمة كبيرة” لهم ولمستقبلهم ومستقبل ابنائهم وقضاياهم. إنه موقف مثير للسخرية والإشمئزاز، لأن فوز ترامب في حقيقته قد يكون صدمة للغرب، لكن يجب أن ننظر إليه على أنه فرصة وأي فرصة للعرب، إنه يشكل صحوة من سكرة طال أمدها، فليس مستبعدا أن تحسن العلاقات الجزائرية مع السعودية والمغرب هي نتيجة لفوز ترامب.

 

إنها صدمة كبيرة لأوروبا .. فعلا

نعم إن فوز دونالد ترامب يعتبر صدمة كبيرة للغرب، ولأوروبا تحديدا، لأن المواقف والأفكار التي يحملها الرئيس الأمريكي الجديد والتي آبان عنها خلال حملته الإنتخابية، هي ذات الأفكار التي يحملها اليمين وحتى اليمين المتطرف في أوروبا.

فإذا أوصل الشعب الأمريكي دونالد ترامب إلى الحكم، وهو المعارض للهجرة، المعادي للمسلمين، المساند لقانون “جاستا” الذي يسمح للأمريكيين المتضررين من هجمات 11 سبتمبر 2001 بمقاضاة دول الخليج وتحديدا السعودية،  المؤيد لإسرائيل، غير اللبق مع المكسيك، المرتدي عباءة الكوبوي من خلال نظرية من يريد الحماية عليه أن يدفع سواء أكان داخل الحلف الأطلسي أو خارجه، المعارض لسياسة إسقاط الأنظة، المرحب بخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي،  المعلن استعداده للتعاون مع موسكو وغيرها من المواقف، فلماذا لا يفوز اليمين في أوروبا وهو الذي  يؤمن بكثير من الأفكار التي يؤمن بها ترامب وأوصلته إلى الحكم؟

إن أوروبا تحت الصدمة فعلا، لأن فوز اليمين لا يعني فقط انفجار الإتحاد الأوروبي، بل انفجار الوضع الداخلي إلى درجة الحرب الأهلية في كثير من دول الإتحاد الأوروبي نظرا لأعداد المهاجرين الكثيرة فيها، خاصة ذوي الأصول العربية الإسلامية، التي بتواجدها أصبحت اللغة العربية منشرة بكثرة في أوروبا وأصبح الدين الإسلامي الدين الثاني في أوروبا لكنه الدين الأول من حيث الممارسة، لذلك كشف اليمين عن عداوة مفرطة للعرب والمسلمين المتواجدين في دول الإتحاد بحجة رفض ” تعريب وأسلمة أوروبا”.

ولا نتصور أنه من السهولة بما كان طرد ملايين المهاجرين من أصول عربية أو إسلامية، لأنهم يملكون جنسية كثير من الدول الأوروبية، ولهم حقوق وواجبات مثل الأوروبيين ذوي الأصول الأوروبية تماما.

وفي الشق الآخر، فإن أوروبا لم تفتح أبوابها للمهاجرين إلا لأنها أصبحت في حاجة ملحة لهم، وسوف تصبح في حاجة أشد إلحاح بدء من عام 2020 ، ثم يصبح المهاجرون ضرورة  ملحة لكثير من دول الإتحاد الأوروبي بدء من عام 2030 إلى غاية عام 2050 ، لأن أوروبا من الناحية الديمغرافية تسير في اتجاه الشيخوخة، بسبب تراجع الخصوبة، ولم تفلح سياسة توسيع الإتحاد الأوروبي لدول شرق أوروبا لأن نسبة الخصوبة في أوروبا الشرقية متقاربة مع أوروبا الغربية.

وفي هذه الحال، فإن المصانع الأوروبية لن تجد اليد العاملة الأوروبية، بل لن تجد حتى من يدفع لصناديق التقاعد، الأمر الذي قد يؤدي بها إلى “ثورة الشيوخ” المطالبين بحقوقهم. ومن أجل تشبيب أوروبا والحصول على يد عاملة، وتعويض صناديق التقاعد، فإن الهجرة لأوروبا ضرورة ملحة جدا.

وإذا كان المهاجرون يشكلون مشكلا لأوروبا اليوم خاصة منذ سبتمبر 2001، فلكم أن تتصورا وصول اليمين المتطرف إلى الحكم في أوروبا تحت تأثير فوز ترامب في أمريكا.

من زاوية أخرى، فإن أوروبا التي تدين برفاهيتها وأمنها كثيرا لأمريكا منذ الحرب العالمية الثانية، فإن خطاب ترامب القائل من “يريد الحماية عليه أن يدفع” يجعل دول أوروبا لا تشعر بالراحة، وربما سيدفع هذا الأمر بدول أوروبا الشرقية إلى العودة إلى حضن موسكو، وقد بدأت مؤشرات ذلك مع الإنتخابات البلغارية حين فاز المرشح الموالي لروسيا. ولكم أن تتصورا في حل فوز المرشحين الموالين لموسكو في انتخابات دول أوروبا الشرقية .. ألا يؤدي ذلك لانفجار الإتحاد الأوروبي؟

هذا .. بدون الحديث عن موقع أوروبا أمام الصين وحتى روسيا .. في حال رفعت فعلا الولايات المتحدة الأمريكية يدها عن حلفائها التقليديين. وبناء على هذا، فإن فوز ترامب يشكل فعلا صدمة كبيرة للغرب وتحديدا أوروبا.

 

ترامب يوقظ العرب من سبات أهل الكهف ..

بالنسبة للعرب جميعا من الحدود إلى الحدود، فإن الجمهوريين لا يختلفون عن الديمقراطيين، فكل منهم “ذبح العرب” على طريقته، بعضهم فقط شحذ السكين وبعضهم ذبحهم بسكين غير مشحوذ.

لكن انهزام هيلاري كلينتون أمام دونالد ترامب شكل صدمة قاتلة لبعض العرب الذين راهنوا عليها بل ودعموها بالمال أيضا.. فماذا تقول بعض الدول الخليجية وماذا تقول المملكة المغربية لترامب – وهي التي مولت كلينتون- إذا بدأ بتنفيذ تعهداته الإنتخابية؟ هل يقوقون له أنهم أرسلوا إليه برقيات تهنئة ممتازة من الناحية السجع والطباق والمحسنات البديعية؟

ماذا تقول دول الخليج خاصة السعودية لترامب إذا طالبها كما تعهد في حملته الإنتخابية بدفع ثمن الحماية بأثر رجعي؟ ألا يعني ذلك حجز جميع أموال الخليج الموجودة في البنوك الأمريكية والمقدرة بعدة تريليونات من الدولارات.؟

وماذا لو راح كل أمريكي يعتقد أنه متضرر من هجمات 11 سبتمبر 2001 يرفع دعوى قضائية ضد دول الخليج ويطالب بالتعويضات؟ وماذا لو تطورت الأمور وامتدت للمطالبة بالمحاكمة في محكمة الجنابات الدولية بفعل تأييد ترامب لذلك خلال حملته الإنتخابية؟

كذلك، وبفعل موقف ترامب من داعش وأحداث الربيع العربي ونظام الأسد، وغيرها من القضايا، فإن كثيرا من الدول العربية تحت الصدمة فعلا، ولا يمكن إخفاء ذلك، فهو ظاهر على الأقل في وسائل إعلام كثير من هذه الدول.

لكن دعنا نقول .. إن فوز ترامب هو فرصة حقيقية للعرب .. فرصة لكي لا يراهنوا مستقبلا على الخارج.. ذلك الخارج الذي دفعهم للمساهمة الفعالة في تحطيم العراق وسوريا وليبيا واليمن .. فرصة لكي يدركوا أن الأمن القومي العربي أمن واحد غير قابل للتجزئة .. لقد بات من حكم البديهي أن الثور الأبيض سوف يؤكل بعد مأكل الثور الأسود.

أنا لا استبعد أن التحسن السريع في علاقات الجزائر مع السعودية .. وفي تسريع العلاقات الإيجابية مع الإمارات وقطر .. وفي إعادة الدفء للعلاقات الجزائرية المغربية .. له علاقة بفوز دونالد ترامب .. ولماذا لا يشكل فوز ترامب وقانون جاستا فرصة للعرب لحل الأزمة السورية واليمنية وبأسرع ما يمكن من الوقت.. إنه عصر ترامب .. ومن يدري رب ضارة نافعة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى