أراء وتحاليلبين الفكر والسياسة

استيقاظ أمة:الجزائر بأكملها أو لاشيء  

بقلم نورالدين بوكروح

لا تُحلّ المشاكل الفكرية أو تلك التي تطرحها ثورة المواطنة بالدبابة أو بالتشدّد القانوني بل بالأفكار النيرة المترفّعة عن الانشقاقات.

التشدد القانوني يعبّر عن رؤية ضيقة تسعى إلى الاعتماد على قواعد قانون يكون في بعض الأحيان أخرسا، من أجل فرض وجهات نظر تتجاهل تفاصيل دقيقة قد تتسبب أحيانا في اختلافات كبيرة.

في كل الأحوال، تكون العيوب الناتجة عن ذلك أكبر من الفوائد المرجوة، لكننا لسوء الحظ لن ندرك ذلك إلا آجلا عندما يكون الضرر قد وقع.

وفي هذا الصدد فإن الفريق قايد صالح أخطأ عندما أعطى “تعليمات صارمة” لأجهزة الأمن بحظر رفع الراية الأمازيغية في المظاهرات. فالطرف الوحيد الذي سيستفيد من ذلك هو حركة الماك.

ليس واضحا إذا ما كان فتح هذا الموضوع في مثل هذه الظروف هو محاولة إلهاء يرجى منها تحقيق نتائج فورية–تقسيم الحراك كما اعتقد الجميع– أم أنه يمثل خطوة أولى لإستراتيجية تهدف إلى إعادة التيار الإيديولوجي العروبي-الإسلامي-الشعبوي الذي نشأ في ستينيات القرن الماضي إلى السلطة، لتسند إليه مهمة بناء “جزائر الغد”.

على أي حال، فإن عشرات المواطنين يقبعون اليوم في السجن استنادا لهذه التعليمات، في انتظار أن يمثلوا أمام القضاء أو يُحكم عليهم.

لا يجب أن يُرسل إلى الحراش أناس يحملون أفكارا لا يفترض أن يبتّ فيها القانون لأنها تنتمي إلى الثقافة والتاريخ، بل فقط المجرمون الذين أضروا بالبلاد وارتكبوا في حقها شرورا لا يمكن حصرها، والذين يقبعون اليوم هناك فعلا في انتظار استكمال التحقيقات بشأنهم.

هؤلاء لايستحقون الحراش الذي سجن فيه أبطال ثورة التحرير بل يجب، بعد أن تتم محاكمتهم، أن يرسلوا إلى مكان معزول في الصحراء ليحتجزوا فيه، حتى لا تنتقل عدواهم إلى سجناء القانون العام.

أما هؤلاء المواطنون المعتقلون فلم يرفعوا رموز الانفصالية بل راية الأمازيغية التي لا تنافس العلم الوطني على النحو المحدد في المادة 6 من الدستور، بل هي تعزّزه عبر البعد الثقافي والتاريخي الذي يؤكد عليه الدستور في ديباجته.

كلمة “العلم” في اللغة الفرنسية  (drapeau) تأتي من الجذر (drap)الذي يعني قطعة القماش، والمعروفة وجهتها الأولى التي هي تجهيز الفراش.

كلّ من العلم والراية يفصّلان من قطع قماش وبألوان مختلفة، لكنهما ليسا متنافسين و يمكن حتى أن يكونا متكاملين.

البلدان لها أعلام رسمية بينما القضايا ترفع رايات (من هنا جاءت مثلا عبارة “راية الحرية”).

إنّ الأمازيغية قضية وليست دولة، ولا يمكن لها أن تصبح كذلك على وجه الخصوص في ضلّ جزائر تتبنى جذورها الأمازيغية دون أي عُقَد.

ما يتم تلقيبه اليوم “بعلم القبائل” لم يكن أبدًا أكثر تعبيرًا عن الرغبة في الوحدة الوطنية و”العيش معًا” مثلما هو عليه منذ 22 فبراير.

إنه ليس راية تمرد أو انشقاق القبائل بالرغم من أن حركة الماك جعلت منه رمزا للانفصالية. وهو لا يرمز أيضا لدولة معينة بما أنه يظهر في العديد من بلدان شمال إفريقيا: ليبيا والمغرب وتونس …

كوني حاربت فكريا “العصبيات” منذ وقت طويل و قبل دخولي السياسة منذ 1989، فإني لم أرى هذه العصبيات أقرب ممّا هي عليه اليوم لأن يتجاوزها حتى مناضلوها، كما يحدث منذ اندلاع ثورة المواطنة.

بعد أن استيقظت الأمة في وقت واحد وبشكل عام وشامل، فإنه لم يعد هنالك من سبب لوجود “العصبيات”. فهذه الأخيرة استيقظت بدورها على الفكرة الوطنية والمدنية، رغم أننا لا نزال في بداية البداية لطريق طويل للغاية ومن المؤكد بأنه سيكون محفوفًا بالمخاطر الداخلية والخارجية.

أعلام الدول هي علامات مميزة لها وكذلك هو نشيدها الوطني وعلمها البحري. والعلم الجزائري نشأ داخل حزب الشعب الجزائري في الثلاثينيات، ثم تبنته بعد ذلك الحركة الوطنية التي ناضلت من أجل استقلال الجزائر بأكملها.

ومنحته بعد ذلك تضحيات الشهداء مكانته الأبدية والمحرّمة و الأزلية كعلم للدولة الجزائرية.

لا أعرف تاريخ الراية الأمازيغية لكن مقطع فيديو لجنازة رمز الأغنية الأمازيغية معطوب لوناس يُظهرُ جليا بأنها لم تكن ترفع في منطقة القبائل في جوان 1998 لأنها لم تظهر عند أحد في هذا الظرف وهذا المكان. أنا شاهد على ذلك لأني كنت هناك.

يمكن توسيع القضية التي أثارها الفريق قايد صالح بأن نرى في كلّ علم يرفعه أيّ كان، تهجّما على العلم الوطني.

سيكون من الضروري عندئذ أن نبدأ بالجيش نفسه، و الذي تمتلك العديد من أسلحته ومدارسه ووحداته رايتها الخاصة التي ترفعها بفخر خلال مختلف التظاهرات العسكرية، دون أن يشكل ذلك تظليلا للعلم الوطني.

وينطبق الشيء نفسه على مؤسسات مثل الشرطة والجمارك والحماية المدنية وبعض الهيئات والمنظمات الأخرى (الكشافة مثلا) التي تستعرض العديد من الأعلام في مناسبات أو أخرى. كذلك الفرق الرياضية لها راياتها و نشيدها، هل يعرضها ذلك للسجن هي أيضا ؟

لن يتبادر إلى ذهن أحد بأن الأعلام أو اللافتات أو الشعارات يمكن أن تشكل خطرا على الوحدة الوطنية أو رموز الدولة التي لم تكن أبدا عزيزة على الجزائريين كما هي منذ 22 فبراير. بدون هذا الثراء و التنوع في الألوان فإن هكذا دولة ستكون حزينة للغاية.

المهم ليس هنا ولا حاجة لملء السجون بمن لا يستحقونها.

المسألة هي في إيجاد حلول حقيقية للمأزق الحالي، و هي حلول تمر حتما عبر اجتماع جميع الجزائريين بغض النظر عن انتمائهم السياسي أو الإيديولوجي وليس عبر تشتيتهم أو تعارضهم.

لا يجب أن يسود معسكر على الآخر، كما يجب على الطرفين أن يتحرّرا من ضيق نظرهما السابق ليتمكنا من التشارك في قناعات جديدة هي تلك التي ستنشأ من ثورة المواطنة الحالية.

ترجمة بوكروح وليد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى