أراء وتحاليلالجزائرالرئيسيةسلايدر

الإنكار

يوجد اليوم موقفان بين الذين عارضوا إجراء الانتخابات الرئاسية. هناكموقف ” الواقعيين”، وهم أولئك الذين يأخذون بعين الاعتبار هذا المعطى على أنه تطور للوضع، لا من منطلق الخضوع إلى ” أمر واقع” مزعوم، وإنما لمواصلة الكفاح الديمقراطي، وفي نفس الوقت، للحفاظ على الدولة الوطنية. ثم هناك موقف الإنكاريين، وهم أولئك الذين ينظرون إلى إجراء الانتخابات على أنه ” لا حدث “.إن وصف هذا الأمر، الذي لفت الأنظار على نطاق واسع،بعد أن كان مثار صراعاتحادة للغاية،لهو شيء محير ويعتبر بعد مكابرة فيما هو بديهي.

 بقلم جمال لعبيدي(*)

حقا، ما المكابرة إلا الإنكار العنيد للواقع. هذا الإنكار جرى التعبير عنه، في البداية، بواسطة سلسلة من التفسيرات ” المؤامراتية “. هكذا جرى تقديم المرشح عبد المجيد تبون على أنه مرشح الجيش، قبل أن يوصف بالمخذول من طرف الجيش، إثر تخلي مدير حملته عنه ورواج قصة غامضة عن علاقة مزعومة بينه وبين واحد من رجال الأعمال.ثم كان الدور على المرشح عز الدين ميهوبي، الذي قدم هو الآخر على أنه مرشح الجيش، قبل أن يعود نفس الحديث عن عبد المجيد تبون فور انتخابه. جرى ذلك دون الانتباه إلى تناقض هذه التفسيرات. ثم وقع ذلك الفعلالذي لا يقبل اللف والدوران،المتمثل في اعتراف المرشحين الآخرين بنتيجة الانتخابات.ومع ذلك، راح معارضو الانتخابات يظهرون خيالا جامحا، جديرا بالروايات البوليسية، بغية إنكار هذا الفعل بل واعتباره دليلا على وجود مؤامرة ضد الديمقراطية. عندما لا يخضع المرء نفسه لرقابة الوقائع، يمكنه تخيل كل شيء. هذه هي ميزة نظريات المؤامرة. وبلغ الأمر، في النهاية، حد الهذيان إذ، وكما ” شهد ” كثيرون عشرات الألوف من الجنود وهم يتنقلون من مكتب اقتراع إلى آخر للتصويت عدة مرات، كذلك ” شهد ” كثيرون أيضا عشرات الألوف من الجنود وهم  يركضون مسافة عدةكيلومترات أثناء جنازة الفريق قائد صالح.

جرى التعبير عن المكابرة بعد ذلك في رفض مشروعية الرئاسيات، إذجرى تقديم مغالطات مبنية على التفريق بين ” شرعية السلطة “، من جهة، و” مشروعية السلطة ” من جهة أخرى، كقولهم بأنه إذا كان بإمكان ” سلطة واقعية ” أن تكون شرعية، فهي مع ذلك غير مشروعة، لأن المشروعية هي تلك التي يعطيها صندوق الاقتراع.

غير أن معيار مشروعية الصندوق هذا سحب،فيما يخص الرئيس الجديد، بنفس السرعة التي ميزت المطالبة به، وذلك من خلال توجيه تهمة تزوير الانتخابات. يا لها من حركة بهلوانية !وهكذا يتضح أخيرا كم هي ضرورية حجة تزوير الانتخابات لمجمل هذا البناء الإيديولوجي والسياسي. لا يتم بالطبع تقديم دليل مادي على ذلك، فهذا لا يهم بما أن الاقتراع مرفوض حتى قبل إجرائه.جاء في قول مأثور: ” إذا أردتم حل مشكل معين، ابحثوا عن حل، وإذا أردتم عدم حل مشكل معين، أبحثوا عن ذريعة “. حقاكيف يمكن الجزم بأن المشروعية تأتي من الانتخابات وفي الوقت نفسه رفض إجرائها ؟

كان ذلك خطأ استراتيجيا. الانتخابات لا ترفض مهما كان المبرر. للشعب دائما مصلحة في الانتخابات، في التصويت، في الديمقراطية. لقد خسرنا للأسف- نتمنى أن تكون خسارة عارضة – فرصة لنحيا لحظة ديمقراطية كبرى، كانت ستأتي ربما بقائمة أوسع من المرشحينومتضمنة، على الخصوص، أسماء أولئك الذين أثاروا الاهتمام والاحترام لدى الرأي العام والحراك. 

مدينة الجزائر و” الداخل “

يجب البحث عن تفسير لتلك المكابرة في العلاقة التي يعقدها هؤلاء مع الواقع. بالنسبة للعديد من المعارضين للانتخابات الرئاسية، تسبب إجراؤها في إحداث صدمة لهم. لقد كانوا متيقنين بأنهم قادرون على منعها وبأن الشعب بأكمله يعارضها. إنهم أبدوا ثقة بالنفس مدهشةحتى أنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء وضع خطة بديلة.

ثم تلقى هؤلاء صدمة ثانية عندما وقعت المظاهرات الشعبية المؤيدة للجيش وخاصة عندماجاش الانفعال في الصدور،ثم تفجرت في شكل موجة شعبية عارمة خلال جنازة المرحوم الفريق قائد صالح. هناك شعب آخر إذن ؟

كانوا في حراكهم ولم يكونوا راغبين في توجيه أنظارهم إلا صوبالشعب الذي يرغبون النظر إليه. كانوا فيما بينهم، لا غير. كانواقع الحراك قد تطور. انطلق الحراك كحركة توافق عريض، ثم راح ينكمش بمقدار نمو التباينات بداخله، لاسيما بعد ظهور شعارات معادية للجيش ولقيادته، رغم مواقفهما الجمهورية ومرافقتهما للحراك.فانسحبت أقسام عريضة من المجتمع من المظاهرات، إما بفعل الريبة المتولدة عن هذا النهج المتبع لتسويةالأزمة وإما لأنها قدرت أن الأهداف الجوهرية قد تحققت.

كثيرون هم الذين لم يروا منالواقع سوى الشارع لا البلاد. قام هؤلاء بعملية مطابقة بين الشعب والشارع، بين بلاد الجزائر ومدينة الجزائر، بين مدينة الجزائر وبين المتظاهرين في الشارع، بين شعب مدينة الجزائر وشعب باب الوادي الذي بات يشكل الكتلة الرئيسية في المظاهرات،جمعة بعد جمعة.

هنا قد يحضر أيضا البعد الخاص بالعلاقة بين مدينة الجزائر وباقي البلاد. هذه مسألة مهمة قد يتوجب تناولها مستقبلا بشكل أوسع. إنها علاقة تنازع ليس لنا اليوم دراية كافية بخطورتها، علاقة عاصمة استعمارية تحولت إلى عاصمة للجزائر المستقلة. إنها علاقة ميناء أصبح عاصمة وعلاقة مدينةغير متمركزة في البلادالذي يصبح هكذا ” الداخل “، حسباللفظ الاستعماري الذي لا يزال ساريا. بالتالي، ليس لمدينة الجزائر المشروعية التاريخية أو السلطة المنبثقة عن سيرورة تاريخية تجعل من مدينة معينة عاصمة تاريخية تحظى بالاعتراف. لنأخذ مثالا على ذلك: باريس هي المدينة الفرنسية التي تحتضن أحسن حديث بالفرنسية. في مدينة الجزائر يقع العكس، إذ يجري فيها استعمال خلطة عربية – فرنسية،في الوقت الذي يحتضن ” الداخل ” أحسنحديث بالعربية. كانت الأقلية الأوربية تتركز في مدينة الجزائر وفي باقي المدن المرفئية، وعلى نحو تلقائي، تشهد هذه المدن اليوم تركز القسم الأكثر تغريبا ضمن الساكنة.

تعد مكانة اللغة العربية وثقافة البلاد العميقة في الحراك معلما من معالم تطوره. تميزت بدايات الحراك بازدهار ثقافي كثيف، على غرار ما يحدث فيكافة الحركات التاريخية الكبرى. واستعادت اللغتان العربية والأمازيغية مكانتهما بقوة. وفي ” بلاد القبائل “، خصيصا، رفعتعلى نطاق واسعنفس الشعارات بالعربية التي رفعت في غيرها من المناطق وحتى بأفضل منها، بعدالاطمئنان على الاعتراف بالهوية الأمازيغية وسقوط الأحكام المسبقة.وشهدنا حتى فرنكوفونيين متأصلين وهم يبذلون جهد التحدث بالعربية.

كل هذا سيبقى في رصيد مكاسب الوحدة الوطنية. ومع ذلك، لوحظت خلال الأسابيع الماضية عودة شعارات ولافتات بالفرنسية أو بالخلطة الجزائرية – الفرنسية، بموازاة التعبير عن المواقف الرافضة لنتيجة الانتخابات أو المتهمة للجيش بالتدخل السياسي.

من هذه الزاوية،  نعثر في نهاية المطاف على ذلك الشقاق القديم الذي ما انفك يسمم حياتنا منذ الاستقلال وحتى قبل الاستقلال، ذلك الانقسام بين مجتمع متغرب، تتطابق معه قوى سياسية تغريبية بصيغة محلية فرنكوفونية، ومجتمع عربي – إسلامي عميق. بالتاليأليس الاستقلال والتحرر والتنمية، في آخر المطاف، إلا القضاء على هذه الثنائية، هذا الشقاق بين مجتمعين على الصعيد الاقتصادي كما على الصعيد الثقافي والاجتماعي ؟

عالم الشغل والحراك

اتسمتالأسابيع الأولى من عمر الحراكبرونق خاصمرده تسامي الحراك على التباينات الثقافية وإطلاقه جوا من الوحدة الوطنية والأخوة، فكانت تلك المسحة الاحتفالية.

الحراك بحاجة إلى الوحدة الوطنية؛فهو قوة معنوية أكثر مما هو قوة سياسية. لذا،فإنهينتهي كحراكفي اللحظة التي ينقسم فيها ويتحول إلى مظاهرات عادية. إنه تضرر بسبب بعض المواقف التفريقية، لاسيما إزاء الجيش، لأنها جعلت قسما متزايدا من الساكنة يخشى الانجرار إلى مغامرة.وغادر عدد كبير من الشباب صفوف الحراك، في حين راحت نسبة المتظاهرين المسنين نسبيا تتصاعد.

ونظر عالم الشغل،العمال، للوضع بحذر ولبعض الشعارات بارتياب. فشلت جميع الدعوات للإضراب العام، بما في ذلك على مستوى قطاع التربية المتجاوب معها في العادة. إنه مؤشر لا يخدع. دأب العمال، الطبقة العاملة، باستمرار على ترتيب الأولويات، سواء أثناء الكفاح ضد الاستعمار أو بعد ذلك، وأعطوا الأسبقية إلى القضية الوطنية. وفي ظل هذا الظرف المتأزم الذي نعيشه،فإنهم أعطوا الأسبقية إلى الحفاظ على الدولة الوطنية وعلى السلم المدني.

كل هذا يبرهن على أن لا شيء يعوض الانتخابات، التصويت، لمعرفة حال المجتمع والرأي العام، لمعرفة اتجاهاته المختلفة.فنحن اليوم أكثر من 40 مليونا وبات مجتمعنا مركبا أكثر من السابق.

يجب أن ندركبأن المظاهرات الشعبية الكبيرة لا تزال تقليداجديدا عندنا،خلافا للديمقراطيات العريقة المتعودة عليها. قد تترك مظاهرةما انطباعا بأنها جمعت عددا ضخما، شعبا بأكملهوقد تترك أخرى نفس الانطباع ولكن على أساس موقف مختلف.

وعليه، بدل الاستمرار فيسلوك المواقف المتميزةبالإنكار، ألا يحسن بنا أن نحاول فهم المعنى الاجتماعي، الثقافي، السياسي لانتخاب المرشح عبد المجيد تبون ؟ لماذا هو وليس واحدا من بين الأربعة الآخرين ؟ لماذا انتخب في الدور الأول ؟ما الذي جعل المصوتين له يفضلونه على غيره؟

إن من يقضي وقته في قول ” لا ” لكل شيء يخاطر بتفويت كل شيء على نفسه. لنقوم بشيء من علم اجتماع الانتخابات أو ليقوم بذلك، على الأقل، الجامعيون والباحثون المهتمون بالحراكوالمفترض فيهم الاختصاص في علم الاجتماع والعلوم السياسية. ولننظر كذلك إلى الديمقراطية لا من زاويتها السياسية فحسب، بل أيضا كوسيلة للتعرف على المجتمع وعلى توجهات الرأي العام معرفة موضوعية.

ومهما يكن، فإن عبد المجيد تبون هو، من الآن فصاعدا، رئيس الجمهورية.انتخب أحسن انتخاب أم أسوأه ولكنه انتخب. وهذا واقع ذو مشروعية أكبر من أي تعيين تعسفي لهيئة تنفيذية للانتقال الديمقراطي ولشخصيات يزعم أنها تمثل الأمة والشعب، كما كان معارضو إجراء الانتخابات يريدون.

قد يكون عبد المجيد تبون رئيسا جيدا للجمهورية وقد يكون بالعكس رئيسا سيئا. وربما وجبت مساندته أو معارضته، إلا أن الخطوة التي تمت قد تمثل تقدما جوهريا بالنظر إلى الظرف الراهن كما بالنظر إلى المستقبل. إنها سمحت حتى الآن بالبدء في الخروج من الأزمة السياسية الراهنة عبر إضفاء صفة المخرجالدستوري عليه، وهي تؤسس، في آن واحد، قاعدة للمستقبل: قاعدة حل النزاعات السياسية، في كل وقت وكل موقع في بلادنا، على أساس الشرعية الدستورية. هذا شرط الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلم المدني. إن رئاسة الجمهورية ليست شخصا وإنما هي مؤسسة قبل كل شيء. تعبنا من”منقذي ” الشعوب والأمم، وكلنا يعلم مدى الدمار التاريخي الذي تسبب فيه هؤلاء الزعماء ” المنقذين” في كل مكان: فالأمر لا يتعلق بالعثور على رئيس يحل جميع مشاكلنا، بل يتعلق بتوفير إطار ديمقراطي لحل المشاكل، توفير مؤسسات تنمو فيها، بكيفية حضارية، الصراعات السياسية حول تسوية مشاكل البلاد.

_______

 

(*) ترجمة أحمد رضوان شرف الدين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى