أراء وتحاليل

الجزائر الكبيرة… و سجالات الصغار  ǃ*

 أ.د يوسف قـاسمي **

كم أنت كبيرة يا جزائر باسمك؛ بامتداد جغرافيتك، كيانك السوسيولوجي، ثراؤك الثقافي، و سجلك التاريخي و الحضاري الحافل.. فالجزائر جمع مفرد جزيرة؛ فأنت عنوان المأوى و الملاذ الآمن لكل غريب وعابر سبيل. حقا أنت كذلك منذ وجدت، ستبقين أرضا للشرفاء، و دارا للسلام والعيش الهنيء؛ منذ يوبا و ماسينيسا، يوغرطة و الكاهنة – ملكة أوراسنا الاشم- حسان بن النعمان و طارق ابن زياد، بلكين بن زيري و ابن تومرت، الأمير عبد القادر و لالة فاطمة نسومر، الأمير خالد و ابن باديس، مصطفى بن بولعيد و بوضياف، العقيد لطفي، شعباني و عميروش، هواري بومدين،  ومفكر الاجتماع والحضارة مالك بن نبي… و عشرات بل مئات الأسماء التي تربت في أديم ثراك الطاهر، و استنشقت هواء سمائك العليل، كما رضعت حليب الوطنية من معينك الثر الصافي… فكان أن تلألأت كاننجوم في سماء كفاحك الطويل، والنضال الفكري-الوطني الأصيل، والغوث والإنساني. فقد وجد فيك الشرفاء الأحرار واحة فيحاء للأمن و الأمان – يوم ضاقت بهم أوطانهم،     و تنكر لهم ذووهم، أو اشتد بهم الخناق والرزايا وهم ينازلون أعداءهم- كما كانت أرضك الطاهرة منطلقا للنضال، و مصدرا للإلهام، وسندا للقرار في تحرير الأوطان، ورفع للظلم والاستعباد..؟ أنت كذلك و أكثر أيتها “الجزائر”؛ كنت و ستظلين موطنا للأحرار، و عنوانا لملايين الشهداء الأبرار، و مكة للثوار… و ملاذا آمنا لكل بني الإنسان.

هذه هي جـزائر التاريخ، التحرير و الإنسان… أما عن جغرافيتها فهي أم الأوطان و مساحتها الأكبر بين الأقران، باطنها يزخر بكل أنواع النفائس والمعادن على غرار: الذهب الأصفر، الأسود و الأبيض و الماس، اليورانيوم و الفحم، الحديد والنيكل و الماء الزلال.. ظهرها تربة سوداء، حمراء و صفراء تؤتي أكلها بأمر ربها للعاملين، هواؤها متنوع بين الرطب الساحلي، الجبلي النقي و الصحراوي المريح. شمسها ساطعة مصدر للطاقات التقليدية و المتجددة، و دواء للخلق صنوان؛ غنية بالحياة البيولوجية برا وبحرا، ساحلها لؤلؤ و مرجان… أما غروبها فهو الأجمل – بلا منازع- و ساحر للإنسان.

ساكنتها الأمازيغ الأحرار مع أشقائهم من عرب الفتح الإسلامي – من المهاجرة والأنصار- سفراء دين التوحيد والرضوان، و من السادة العلماء من الأشراف- الأخيار…و خليط الأجناس من عجم إفريقيا و أوروبا وتعايش للإنسان. ألسنتها، لغاتها، ثقافتها خصبة ثرية معززة لموروث تراث حضارة العلم و العقل و البنيان. دينها التوحيد معززا فطرة الله في الإنسان.. أما سجلها الأخلاقي السياسي و الحضاري فمنحازا دوما لقيم الحق و الحرية، مناصرا للتحرر والسلام، ملتزما بشرعة العدل و الإحسان.. و الإنسان.

تلكم – سادتي الكرام- جزائر التاريخ و الحضارة، النماء و الانتماء، و الأماني الجميلة لبني الإنسان.. فكيف أصبحت و أمست بعد عقوق أبنائها و في ظل سجالات الصغار من بني قومنا الأشرار، و عصابة الفساد  من عباد الدرهم و الدينار… بعد ربع قرن و بقية  من زمن ” الاستقلال ” ؟ǃ.. هي اليوم منكمشة شاحبة منكفئة حزينة لهمومها المتكاثرة، و المحن المتعاقبة بالليل والنهار، قابعة في زاوية النسيان؛ تنكر لها بنوها ممن أدمنوا الشبع من خيراتها، و جففوا ضرع بقرتها الحلوب.. فلم تعد تغري إنسان و لا جان..؟ǃ يعبث بمقدراتها و مصيرها “بني الكلب” من أحفاد حثالة الكولون الفرنسييس و شذاذ الآفاق الفرنجة من سلالة خنازير الألب وزرائب النورماند، يصادرون المرجعية والهوية، و يتلاعبون بالمدرسة لاغتيال فخر الانتماء، و روح التواصل بين الأجيال.. حتى دفعوا  قهرا و ضيقا فلذة كبد الوطن من خيرة و زهرة شبابه إلى أن يلقى الحتف المهان، ويكون لقمة سائغة في البحر للحيتان… آه ثم آه من نكاية الحساد من الجيران، و تجدد أطماع أعداء الأمس المستعمرين و من بني صهيون الملعونين، و رعاة البقر من الأمريكان؛ داعمين و مناصرين، متبنين و غادقين المال و السلاح على غلمانهم في سرايا الحكم،     و في أجهزة الإدارة و الإعلام… عاقدين حلف الشيطان مع بائعي الضمائر، و بقايا بني “وي، وي” ومن “آل الشيطان” ، و مشعلي فتن الداخل( اللغوية والدينية، الإثنية والمذهبية، الاجتماعية والجهوية…)؛ لتمزيق نسيج المجتمع و ضرب وحدة الوطن وانسجام وتعايش بني الإنسان.

.. كل ذلك عسى و أملا في الإبقاء على وصاية أمهم الحنون “فـافـا”، و إدخال الجزائر بيت الطاعة و الوطء القسري، وعودة لعهد قهر و استعباد الإنسان ؟ǃ ..

حتى بعد حراك22 فيفري لشعبنا السيد المغوار، وسحب سلطة الحكم والنفوذ والقرار من بقايا “عصابة الأشرار- الأنذال” فقد نشطت خلاياهم النائمة و تحركت الذيول التابعة لإذكاء فتن: الوجدان والضمير، الذاكرة والهوية، التاريخ والجغرافية، جيش الشعب والجمهوية.. لنسف مساعي الصلح و إفشال الجمع بين الإخوة الفرقاء، و مصادرة حق الغالبية العظمى من الشعب في الاختيار و الاقتراع.؟؟

فلا عشنا إن مس بسوء وطن نوفمبر الأحرار، و إرث شهدائنا الأبرار، أو أعتدي على أمة الخيرية من أهلنا الجزائريين الشرفاء… فهبـوا بني قـومي و ذروا جـدل البـوليتك، وسجال صغار النفوس من عبدة الكراسي وغواية السلطان، النافخين في العصبيات العفنة النتنة، اللاهثين خلف سقط المتاع وفنائه.. فإنقاذ سفينة الوطن والإنسان أولى من الجري خلف نوازع الهوى و شيطانه، نشوة السلطان و بهرج صولجانه.. فمعركة حرية الوطن مرة لا مرات، لا تقبل القسمة و لا الحياد، و شرف و كرامة الإنسان لا بيع و لا مقايضة فيهما مع أي كان، كما أن التاريخ و الأجيال لا تغفر لكل عميل خوان…  هذه تذكرة مواطن صادق غيور و آلاف الرجال؛ موجهة لمن له قلب أو ألقى السمع و لكل ذي عقـل رشيد؛ ممن يحملون عنوان وطنية و أفعـال مواطنة.. و صدق إنسان.

* نشرت هذه المقالة أول مرة في: 04 أكتوبر2015

** المنسق الوطني لمبادرة منتدى النخبة والكفاءات الوطنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى