أراء وتحاليلبين الفكر والسياسة

الجزائر: قلق الصفحة الحمراء

تواجه الجزائر حاليًا حالة مشابهة “لقلق الصفحة البيضاء” عند الذي يستعد لكتابة شيء مهم.ليس لأنه فقد الإلهام أو لأنه لا يجد ما يجب أن يقوله أو يفعله، بل لأنه يخشى عواقب ما سيقوله أو يفعله.

فالصفحة البيضاء التي نواجهها اليوم ليست مخصصة لتدوين بعض الجمل الأدبية، و إنما لترسيخ الشروط التي يستدعيها إنهاء فترة طويلة من الارتباك والخلط، والتي لم تعد خلالها تعرف من هو سيّد المكان، المالك أو المستأجر..

الوثائق التي يستظهرها الشعب تبين بوضوح بأنه المالك، و أن السلطة مجرد مستأجر ، لكن هذه الأخيرة عكست العلاقة الطبيعية مع مرور الوقت، و وصلت إلى حد إنكار صفة المالك عنه و حرمانه حتى من الحق في الاطلاع على حال ملكيته.

عقد “الكرّاي” يعود إلى عشرين سنة مضت و قد ألحق خلالها أضرارًا  كبيرة بمصالح “مول الدّار”. الإيجار كان يمدّد بالتجديد الضمني ولكن المستأجر كان في كل مرة يرغم المالك و يلوي ذراعه، حتى آل هذا الأخير إلى مجرد الاكتفاء ببعض التعويضات فقط.

عند اقتراب موعد انتهاء العقد في 18 أبريل 2019، و بعد تعبه من الأضرار والإهانات التي لحقت به لكن دون الإخلال باحترام الأشكال القانونية والمواعيد التعاقدية، قام المالك بتوجيه إشعار أمام الملأ للمستأجر، يعلمه فيه بقرب انتهاء مدة العقد ووجوب إخلاء ملكيته. وقد فعل ذلك دون أن يفاجئه أو يخدعه، و دون أن يأخذ منه دقيقة واحدة من المدة التي يتيحها له الإيجار..

“الكرّاي” رفض الإشعار ورفض معه حتى فكرة الإخلاء من أساسها، ثم حشد من ورائه أقربائه المسلحين لإرغام المالك على التوقيع. فناشد هذا الأخير شهادة العالم أجمع على ذلك و استدعى ذويه الذين لبّوا النداء بكثرة لكن دون سلاح، ليدعموا حقوقه المشروعة. هذا و قد سبقت قبل ثلاثين عاماً محاولة أولى لكتابة صفحة جديدة تعيد صياغة علاقتهما، لكنها فشلت بعد انتهائها بتلطخ الصفحة بالدم. وهكذا تم تأجيل الفصل في نزاع الملكية القديم هذا لعدة عقود..

هذه طريقة مثل أخرى لتلخيص مشكلة الجزائر كما تطرح نفسها اليوم تحت أنظار العالم أجمع المندهشة والمنتبهة للتطورات القادمة.

وٍجهة هذه التطورات لم يتأخر في الظهور جليّا للأعين: بوتفليقة باق على ترشحه ورئيس أركان جيشه يلتزم في نفس اليوم بـ”تأمين” عملية انتخابه. بهذا فهما يقولان: “روحوا تلعبوا بعيد”، لملايين المواطنين الذين لا يريدون عهدة خامسة تأخذ عن طريق الاحتيال واستمرار سيطرة عشيرتهما على الدولة والشعب. إنه الخلاف ،وقريبا المواجهة.

ما الذي سيكتبه الطرفان – الشعب والسلطة – على الصفحة الفارغة؟ من سيفوز في الصراع المنتظر؟ بأي ثمن سيفرض بوتفليقة على الشعب عهدة سُرقت في العلن، وماذا سيفعل بها بعد ذلك؟ المؤكد أن الفائز والخاسر، المالك والمستأجر لن يتمكنا بعد ذلك من التعايش أو الكلام مع بعضهما البعض. …

مدّة عهدة بوتفليقة ستنتهي في ليلة 18 إلى 19 أبريل 2019. وبما أن الدستور يشير إلى الشعب كمصدر لجميع السلطات (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، فإنه إذا ما لم يعترف بالانتخابات فلن ينتج عنها أي أثر. ذلك أن الرئيس الذي ينصب نفسه لن يكون سوى دمية مهلهلة يسخر منها ويندد بها العالم بأسره.

قوة الشعب أكبر من قوة السلطة. فالسلطة لا تستطيع إجبار الناس على الذهاب للتصويت في 18أبريل، و لا إجبار المرشحين الآخرين عل البقاء في السباق، و لا إلزام موظفي مكاتب الاقتراع بأن يلتحقوا بها في ذلك اليوم؛ لا يمكنها أيضا أن ترغم الدول الأخرى على الاعتراف بالرئيس الذي نصب نفسه … الشعب لا يستطيع إسقاط السلطة عن طريق العنف ولكنه يملك مجموعة كبيرة من الوسائل لجعلها مشلولة تماما، بما في ذلك الإضراب المدني غير المحدود والذي يمكن مقارنة آثاره بفعالية السلاح النووي …

وضع الجزائر الحالي يختلف عن الوضع في التسعينات: فالسلطة لا تواجه أمامها جحافل إرهابية بل شعبا متجانسا ومتماسكا لا تخترقه تيارات أيديولوجية متعارضة بعضها البعض؛ على لسانه كلمة واحدة فقط: “لا لعهدة خامسة! “. الإسلاميون لا دور لهم في الأحداث الجارية ولن يستفيدوا منها كما جرى في 1989 عندنا أو في تونس والمغرب ومصر الخ، بعد ذلك..

الأمر كله متوقف على ما يريده الشعب … التخلص من هذه السلطة أو العودة إلى المنزل “كما جرت العادة” … مثلما تقول الأغنية.

بقلم نورالدين بوكروح

ترجمة بوكروح وليد

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى