أراء وتحاليل

الحراك الشعبي :التغيير السلس في الجزائر

في حياة كل الأمم منعطفات تاريخية هي التي توجه مصيرها الى الخروج من الأزمة او العودة الى المربع الاول .

ونحن اليوم في ظل هذا الحراك الشعبي الجارف، في منعطف تاريخي اخر لا يختلف عن منعطفات و مراحل حاسمة من تاريخنا السياسي ، بدعوة بناء نظام ديمقراطي حقيقي وليس جمهورية جديدة كما يدعي البعض لأننا “جمهورية” ولكننا لسنا ” ديمقراطية” بل نظاما ديمقراطيا في الشكل تسلطيا في الممارسات والمحتوى و هذا هو الفارق .

نحن امام صراع ثنائي ، صراعا بين “الشعب الجزائري” بكل فئاته و تياراته الفكرية ضد “سلطة سياسية” ممثلة في الرئيس والدائرة الضيقة لصناعة القرار ، لكنه صراع و ليس “حربا” كما يريد لعمامرة و الابراهيمي تصويرها للخارج، مستلهمين هذا التصور الخاطئ و الطرح المزيف من تجربة سوريا و العراق ، و لم أكن مندهشا لوجود مثل هذا التصور ” القتالي” الذي يدعو بشكل غير مباشر إلى “الصدامية” مع المجتمع ، و يتهم ضمنيا الهبة الشعبية بأنها “عنف كامن” لم يجد الفرصة ليخرج الى العلن .

لكن علينا ان ننظر الى الواقع الذي فرض علينا فرضا من زاوية اخرى، و هو إننا أمام “نظام” يحمل في طياته تيارين متعارضين ،تيار للمتشددين يقوده الرئيس ( ان كان حاضرا فعلا) و اقرب المقربين اليه بمساعدة بعض من المؤسسات الدستورية (المجلس الدستوري) و تيارا إصلاحيا مناقض له لكن لا يملك القوة لفرض “الحل الأمثل” للأزمة ،و في المقابل نجد حراكا شعبيا لا يملك “قيادة” لكن تيارا دخيلا عليه يريد اقصاء “المعارضة” من معادلة الصراع ليبقى الصراع كما هو صراعا بين “شعب” ضد ” رئيس ” او في التوصيف الشعبي القوي ” العصابة الحاكمة “, لكن ان بقي هذا التصور الثنائي فان الازمة ستطول و لن تخدم اي طرف بل على العكس فان نتائجها قد لا تلبي رغبة الجماهير في التغيير الحقيقي للسياسات  و الممارسات القائمة .

اذن فان التيار المتشدد للنظام يواجه “تشددا” من الشعب و لا يمكن للاصرار على التخندق في هذا الراي سوى ان يدفع الى نتائج غير محسومة بل انها قد تعيد انتاج النظام نفسه .

ان الحل يتجاوز الإطار الدستوري ، ففي بعض الحالات الدقيقة بل و الغير عادية ، تلجا النخب عادة الى حلول سياسية تتماشى  على الاقل مع الحد الأدنى لمبدأ  “الدستورية” ، و في حالتنا الجزائرية  المعقدة و الحبلى بالتناقضات فان الاحتكام الى طرف ثالث وطني قد يجنبنا العديد من الازمات الفرعية التي تنتظر الفرصة للانفجار ، و اعتقد ان التحكيم في حالتنا لن يكون بهيئة رئاسية كما يدعي البعض او بتأويل “مواد دستورية” نعلم جميعا ان من يؤلها يخضع الى منطق و ارادة حاكم انتهت ولايته ، و انما التحكيم يكون بيد “السلطة القضائية” .

لعل هذه السلطة تملك العديد من المفاتيح لحلحلة “الازمة ” فهي سلطة دستورية ، متمكنة من فهم التشريعات و الدستور ، و تحضى باحترام الجماهير مهما قيل عن اخطائها ، و هي “حيادية” ، صحيح انها انحازت الى الشعب  لكنها ستكون حيايدة في “حكمها” اولا و اخيرا و ان احكامها قد تصب في المصلحة الوطنية . علينا جميعا ان اردنا ان نخرج من هذه المازق الذي فرض علينا و لم يكن اختيار لنا فان نتوجه الى هذه السلطة القضائية ممثلة في المجلس الأعلى للقضاء ، لان تشرف على انتقال  راس السلطة التنفيذية بشكل سلس من خلال انتخابات نزيهة ستساهم هي في الاشراف عليها بمشاركة النخب السياسية و اقول كل النخب السياسية دون إقصاء ، كما انها ستشرف على التحاور كرديف للحراك الشعبي مع “عقلاء” النظام السياسي و هم موجودون و بالتالي سيتم تحييد التيار المتشدد و دفعه الى قبول الامر الواقع فمن الافضل سياسيا و عمليا ان يتم تحييده بهدوء و بقبوله على ان يتم ذلك بالإكراه و الضغط .

إن السلطة القضائية تستطيع من خلال مبادرتها في جمع كل الجزائريين و ستستعيد مصداقيتها في ظرف وجيز و ستبني استقلاليتها في زمن أقصر و بأقل “التكلفة” لأنها ستهندس للعودة إلى الحياة “الدستورية” و ليس الانتقال الذي فهمه الناس بشكل خاطئ ، و هي في ذلك تملك من الأدوات و الميكانزيمات التي ستمكنها من فرض ” الحل” المرضي للجميع و بمشاركة الجميع و تستطيع بحكم “موقعها” في النظام السياسي من التحاور مع الطرفين ، شعبا و حكومة لنخرج من ثنائية الصراع تدريجيا و ندخل في جماعية الحل و التأسيس للديمقراطية الجزائرية . فهل  سيقبل الشعب الجزائري بتفويض هذه السلطة .

خليفة ركيبي

khalifarekibi@gmail.com

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى