ثقافة

العيد الكبير بالجزائر

بقلم : النذير * ترجمته إلى العربية : البهجة ستيت

تسمى هذه المناسبة و التي يطلق عليها عادة بالمشرق اسم “بيرم” ، بالعيد الكبير عند مسلمي الجزائر . يحين هذا الاحتفال بعد سبعين يوما من إنقضاء شهر رمضان الكريم ؛ حيث يحتفل به المسلمون بمكة المكرمة و كافة الأماكن الإسلامية المقدّسة كل عام أين يأتون للحجّ بالآلاف ، و من جميع البلدان .

كان الأول من مايو الماضي هو اليوم الأول من أيام مناسبة العيد الكبير هذه لتنتهي باليوم الثالث منه . على كل مسلم أن يذبح خروفا أو أكثر بهذا اليوم حسب إمكانياته . كما يزور و يستقبل أهله و أصدقائه ليهنئهم بالعيد . سنذهب غدا لزيارة ضريح وليّ صالح معروف بالجوار ، و كذلك بعد غد . يمكن القول بأن العيد يختلف من منطقة الى أخرى لكن ليس بالشيء الكثير .

من تلمسان ، المدينة الأكثر إسلاما و شهرة في المقام الأول من بين جميع المدن ، أين سأحاول إبداء بعض الآراء عن مناسبة العيد الكبير و الذي قد حضرت بنفسي مراسيمه مؤخرا .

يزور التلمسانيون بثاني أيام العيد الوليّ المتصوّف الصالح المعروف “سيدي بومدين”1، والذي يقع ضريحه على بعد كيلومترين من المدينة . كما يقومون بجولة باليوم الذي يليه إلى “عين الحوت” ، و هي قرية عربية تتواجد بحوالي خمسة كيلومترات من تلمسان ، أين يوجد بها ضريحين لوليّين صالحين آخرين ضائعي الصيت . بيد أن الأفضلية تعود للولي الصالح الأول ، والذي يُزار من طرف الآلاف من العرب بأثوابهم المتأنّقة جدا .

تلبس بأبّهة الكثيرات من الفتيات الصغيرات بهيئتهن المبهجة فساتين حريرية مطرّزة بالذهب ؛ كما تُغطي المجوهرات آذانهن ونحورهن ؛ تلتفّ النسوة في أوشحتهن المخفية ذات التموجات الرشيقة ؛يظهر الجميع بالأخير في فوضى فاتنة صاخبة ، حيث تتبادل التهاني السعيدة على كلا الجانبين من هذا الجمع المرح ، و الذي يبدو أنه لا يعرف بعضه البعض في هذه الحياة إلاّ بهذه الأيام المباركة حقّا. إن الأمر يتطلّب ريشة “لامارتين” لتصفه بخلاف عنّي ، تلك النظرة الخاطفة الرائعة للمنظر هذا و التي تهدى الى عيون السائح.

تغطي ورود الأقاقيا بجزء كبير الطريق نفسه، مزيّنا بقباب عتيقة هنا و هناك ؛ إنها آثار لا تزال قائمة من بهاء تلمسان القديم . في كلمة واحدة ؛ لقد ساهم كلاّ من البيئة و الناس في إبراز سحر و توهّج هذا المشهد المنقطع النظير .

سنحضر الآن موكب الأخويات الدينية و التي تلتحق بالمواكب المتتالية إلى “سيدي بومدين” . إنها تأتي بدون ترتيب ، تسبق كل واحدة منها أعلامها المتعدّدة الألوان الخاصة بها ، ترفرف حسب مشيئة الريح ، إنها ساريات رماح تحدّها أهلّة أنيقة .

هؤلاء هم العيساوة من ظهروا و هم ينشدون تراتيل دينية ، حيث نسمع الطبول ترافقها من بعيد مزامير “الغايطة”2. فهم يقومون قبل الوصول الى ضريح “سيدي بومدين”بدوراتهم المشهورة ، بداية بالضأن المأكول حيّا و كاملا ، و كذلك بمشهد مبارزة السيف حيث يغرز واحد منهم سيفا في البطن تحت ذهول المتفرجين .

تأتي بعد ذلك جماعة “مولاي الطيب” ، أقل ضجّة من تلك التي سبقتها و التي تغني هي الأخرى أغاني دينية ، لتليها جماعة “مولى عبد القادر” ، يتبعها “التواتيون” (ينتمي هؤلاء أيضا الى جماعة “مولاي الطيب” ، لكنهم يملكون موكبهم الخاص بهم(؛ ليأتي أخيرا الأفارقة السود و الذين يصلون في النهاية “بقراقيبهم” و طبولهم .

وصلنا إلى ضريح “سيدي بومدين” ، لكن ليس قبل أن نشرب الكثير من الشاربات3 ،و نأكل حلوة “النوجا”4 التي يبيعها الباعة المتجولون للمتنزّهين .كان علينا إستعمال أكواع أذرعنا لفتح ممرّ لنا للوصول الى ضريح الوليّ الصالح والذي زرناه على جناح السرعة .

إن المسجد الخلاّب مقفلا ، غير أن بوابته الشهيرة و مئذنته الأنيقة تكفيان مؤقتا لإرضاء فضولنا . لقد قيل لي أن رجلا عربيا بتلمسان من قام بترميم هذه البوابة . و هذه ،… إنها بالتأكيد الأعمال التي تلي تلك الأصلية التي تعود الى فترة بناء المسجد و التي تنمّ على فنان موهوب فعلا ذا براعة و دقّة ، وحدهم الرجال التقاة من يملكونها .

غطّيت هذه البوابة الرائعة من الخشب و الذي لم أتمكّن من تحديد نوعه بنقوش فريدة من نوعها ، فهي مثلّمة بصفائح من النحاس محفورة بفخامة. إن تلك الصفائح بأجزائها الكبيرة المتلفة هي التي تمّ الإحتذاء بها و إستبدالها من طرف هذا الفنان المحلّي من الآهالي بمبادرة وزارة الفنون الجميلة .

ننسحب الآنو نذهب لإرتشاف قهوة مغاربية بقرية “سيدي بومدين” ، لقد ميّلنا قبلها على ضريح “سيدي عوباد” ؛ تحت ظل شجرة توت تلك. هناك ، رحنا نتأمّل تلمسان و ضواحيها و التي تتمدّد أمامنا على بساطها الخلاّب المفروش بخضرة فاتنة ، في الأفق بلا نهاية .

و ها نحن نستأنف بعدها بقليل طريق العودة الى المدينة ، مارين عبر درب “سيدي عبد القادر” و المقبرة العربية . أودّع الآن صديقي عند باب بومدين لكن ليس قبل أن أشكره على إرشاده و إخباره لي عن الكثير من الأمور المرصودة لنشرها بمجلة الإسلام ، أين ستحتفظ هذه الأخيرة بين أعمدتها بترحيب لبعض الملاحظات أيضا عن بوماريا الأثرية5.

مجلة الإسلام ، العدد : رقم 38 /1899

ebsteit@outlook.com

—————–

  1. “سيدي بومدين” : هوأبو مدين شعيب بن حسين الأنصاري ، أو أبو مدين التلمساني ؛ فقيه و متصوّف و شاعر أندلسي ، لُقّب بشيخ الشيوخ (509 ه/1115م – 594 ه/1198م) .
  2. “الغايطة” : آلة موسيقية نفخية ، يعزفها الرجال فقط .
  3. “الشاربات” : مشروب الليموندا.
  4. “النوجا” أو “النوغا” : حلوة من سبائك السمسم و العسل .
  5. “بوماريا الأثرية” : مدينة رومانية قديمة بنيت عليها مدينة تلمسان ، و بوماريا : تعني المراعي،من ما كان في تلمسان من بساتين و أشجار .

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم