أراء وتحاليلالجزائرالرئيسيةسلايدر

انتفاضة رجل وإصرار جيش: القايد صالح يوجه آخر انذار للجنرال توفيق

ينتظر العدالة تسريع محاربة الفساد، ويكشف أصحاب الاجتماعات المشبوهة

توالت البيانات القوية لقيادة الجيش وعلى رأسها الفريق أحمد قايد صالح، فبعد بيان 30 مارس وبيان 2 أفريل جاء بيان اليوم 16 أفريل، وهو بيان في منتهى القوة، يمكن وصفه بـ “انتفاضة رجل وإصرار جيش”.

انتفاضة القايد صالح حملت ردود على كل المتدخلين عبر وسائل الإعلام خاصة قناة فرانس 24 الفرنسية الرسمية، الذين شككوا في صدقية بيانات الجيش، خاصة ما تعلق منها بالإجتماعات المشبوهة، التي وعد بكشف الأسماء المشاركة فيها.

ذكر الجنرال توفيق .. رسالة للشخصيات وأحزاب المناولة

هذه المرة ذكر بيان الجيش الجنرال المتقاعد قائد جهاز المخابرات السابق محمد مدين المدعو توفيق بالإسم، ومن الواضح أن ذكر توفيق بـصفته، وهو ما هو عليه من القوة والنفوذ، رسالة لمن لم يذكرهم على اعتبار أنهم أقل منه درجة، أي مناولون، وهذا معناه أنه بمقدور مؤسسة الجيش الكشف عن الأسماء الأخرى بسهولة تامة. لقد جاء في البيان ما يلي:”..إن بعض هذه الأطراف وفي مقدمتها رئيس دائرة الإستعلام والأمن السابق، خرجت تحاول عبثا نفي تواجدها في هذه الإجتماعات ومغالطة الرأي العام، رغم وجود أدلة قطعية تثبت هذه الوقائع المغرضة .. وها هم لا يزالون ينشطون ضد إرادة الشعب يعملون على تأجيج الوضع والإتصال بجهات مشبوهة والتحريض على عرقلة مساعي الخروج من الأزمة، وعليه أوجه لهذا الشخص “توفيق” آخر انذار، وفي حالة استمراره في هذه التصرفات ستتخذ ضده اجراءات قانونية صارمة.”

اختراق مسيرات الجمعة،اجتماعات باريس، والمطالبة بـ “رأس” القايد صالح

من المحتمل جدا، أن بيان الجيش في الفقرة التي ذكرتها أعلاه، كان يشير إلى الفوضى التي حدثت خلال مسيرة الجمعة الثامنة، عندما هاجم بعض الشباب المسيرات ورجال الشرطة، سعيا منهم لتحريف المسيرات عن أهدافها الحقيقية والنبيلة، بهدف خلق حالة عامة من الفوضى، تعرقل العودة إلى الحياة السياسية العادية انطلاقا من انتخاب رئيس جمهورية جديد في أقرب وقت.

ذلك أن “الخاسرون من الحراك” الذين أشارت إليهم بيانات الجيش، لا يساعدهم نجاح الحراك، لأن النجاح يعني مواصلة “تمدين نظام الحكم” ومواصلة محاربة الفساد، ولأنهم خاسرون من هذا التوجه، فإن نجاحهم يكمن في انهزام الحراك وفشله في تحقيق أهدافه النبيلة، وأنه في سبيل ذلك مستعدون لفعل أي شيء.  لكن يبدو أن يقظة الجيش حالت دون تمكنهم من تحقيق هدفهم الدنيء.

أما القضية الثانية التي يمكن أن نستشفها من بيان الجيش، أو التي يحتمل أن تكون مقصودة بالبيان، فتتمثل في تلك المجموعة التي عقدت اجتماعا الأسبوع الماضي في العاصمة الفرنسية باريس، في محاولة لتغذية الحراك الشعبي بشعارات وصفها بيان الجيش ليوم 2 أفريل بـ “التعجيزية” بهدف إفشال الحراك.

والأخطر ما في الأمر، أن مثل هذا الإجتماع، أو ذلك الذي تحدثت عنه وسائل إعلام جزائرية والذي انعقد بالجزائر بحضور ضباط من المخابرات الفرنسية، والذي أشار إليه بيان الجيش يوم 30 مارس الماضي، هي اجتماعات مشبوهة فعلا، لأن الأزمة داخلية خاصة بالجزائريين، ولم يمنع أحد المعارضة من الإجتماع داخل الوطن، ما يعني أن الإجتماعات بحضور الأجانب داخل وخارج الوطن، تعتبر اجتماعات مشبوهة فعلا.

أما القضية الأخرى، وهي الثالثة، التي يمكن أن تكون مقصودة ببيان الجيش، فهي تلك الشخصيات السياسية التي راحت تطالب قائد الأركان بالرحيل. والإشكال لا يتعلق برحيل الفريق قايد صالح، فهو سيبرحل لامحالة، لكن بعد أن يكمل مهمته التاريخية بإنقاذ البلاد من هذه الأزمة، أما أن يذهب الآن، فهو انتحار شخصي لمجاهد، ونحر للجزائر، لأن المؤسسة الوحيدة التي ما تزال واقفة، ستتفكك في حالة رحيل الفريق قايد صالح في هذه الظرف، الذي لا تملك فيه الجزائر رئيس دولة، ولا تملك مؤسسات ذات شرعية، ورأسها مطلوب شعبيا.

ومن تلك الشخصيات التي طالبت برحيل أحمد قايد صالح، شخصيات معروفة بتوجهاتها الإستئصالية والفرانكوفونية منذ التسعينيات والتي لعبت دورا سلبيا في أزمة 1992 بتحالفها مع الجيش الذي كان يحكمه “ضباط فرنسا” حينذاك، أمثل سعيد سعدي الرئيس السابق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وليلى عسلاوي. كما تفاجأ الجزائريون لمواقف كريم طابو الذي طالب على أمواج فرانس 24 يوم 15 أفريل الجاري برحيل القايد صالح، وغيرهم كثير.

وما يثير الدهشة، هو أن هذه المواقف متناغمة ومنسجمة، بل كأنها خرجت من سراج واحد، مع مواقف فرنسية معبر عنها من خلال وسائل الإعلام الفرنسية التي وصفت الجيش الجزائري بـ “الطغمة العسكرية”.

والغريب في الأمر، أنه بمجرد نزول بيان الجيش، نشر موقع ألجيري باتريوتيك (المقربة من الجنرال خالد نزار) مقالا يتساءل فيه” إلى أين تنتهي الحرب بين القايد صالح وتوفيق؟.” وكأن هناك اعتراف بأن الحراك الشعبي ليس سوى مجرد حرب بين قائد الأركان وقائد المخابرات المسابق. وهذه رسالة لمن لا يفهم خفايا السياسة.

الإسراع في محاربة الفساد، زيادة منسوب الثقة بين الشعب والجيش

كذلك تطرق بيان الجيش، لضرورة اسراع العدالة في محاربة ملف الفساد، بعد أن قال بيانه يوم 2 أفريل أن “العدالة قد استرجعت صلاحياتها”، وهذه المرة وجه البيان إلى أولائك الذين “استفادوا بغير وجه حق من قروض بآلاف المليارات وإلحاق الضرر بخزينة الدولة واختلاس أموال الشعب”، بعد أنه وجه بيان 2 أفريل إلى ملف الخليفة وسوناطراك والبوشي.. ما يعني أن العدالة التي استرجعت صلاحياتها التي كانت مختطفة مطالبة بفتح جميع الملفات.

وهكذا فإن هذا الموقف، قد يكون ردا، على أولائك الذين شككوا في صدقية الجيش، عندما قالوا: “لماذا حداد وحده تم توقيفه”، بيد أن الإجابة كانت سهلة: “لقد علي حداد يريد الهروب نحو تونس، بإجراءات غير قانونية”.

ومنه، يمكن القول أن الإسراع في محاربة الفساد، قد يزيد في التلاحم بين الجيش والشعب، حيث يعزز الثقة في بناء الجزائر الجديدة.

الجيش يتبنى فكرة المزاوجة بين الحلول الدستورية والسياسية

ما يلفت الإنتباه في بيان الجيش الذي صدر اليوم 16 أفريل، هو تجديد التزامه بتحقيق مطالب الشعب المشروعة كاملة، لكنه وجه رسالة للشعب يدعوه لتفهم الظروف والمواقف، لأن تحقيق تلك الأهداف يتطلب مزيدا من الصبر لأنها تتحقق عبر عدة خطوات ومراحل.

كما أن الجيش لفت في بيانه، أن كافة الآفاق ممكنة، بمعنى كل التصورات والإقتراحات لحل الأزمة ممكنة، ثم استدرك في نهاية البيان يقول: “..نحترم بشكل كامل أحكام الدستور لتسيير المرحلة الإنتقالية”. وهذا معناه أن حل الأزمة يبقى في إطار الدستور مع الإجتهاد في  قراءة مواد الدستور قراءة سياسية تحت غطاء المادة 7.

كذلك نفهم من البيان، أن الجيش الذي حمى الحراك الشعبي، والتزم بتحقيق مطالبة المشروعة كاملة غير منقوصة، يريد العودة السريعة إلى الحياة السياسية العادية بتنظيم الإنتخابات في أقرب وقت، لقوله :” الوضع لا يحتمل المزيد من التأجيل”.

والمقصود بالوضع، ما يحدث في بلدان إفريقية وعربية وإفريقية، مثل لييبيا ومالي، وسوريا والسودان، إلى جانب الوضع الدولي المتربص بنا، مثل دول الإستعمار التقليدي وعلى رأسها فرنسا.

دلالة حرص الجيش على عدم إراقة قطرة دم واحدة

وبالموازاة مع الشرح أعلاه، هناك بعض المعطيات في البيان في غاية الدلالة والأهمية، فبيان الجيش يؤكد :” إن قرار حماية الشعب بمختلف مكوناته قرار لا رجعة فيه، ولن نحيد عنه مهما كانت الظروف والأحوال .. وأسدينا تعليمات واضحة لا لبس فيها لحامية المواطنين لاسيما أثناء المسيرات.”

وكذلك القول أن أسلحة الجيش:” موجهة لأعداء الوطن وليس ضد شعبه، جيش لن يتخذ أي قرار لا يخدم الشعب والوطن، وحريص على أن لا تراق قطرة دم جزائري واحدة..”

وكأن هذا التوصيف إنما هو رد، على أولائك الذين قالوا أن السلطة ممثلة في الجيش هي التي تخترق الحراك من أجل فرض المادة 107 أي الحالة الإستثنائية، ومعنى هذا أن الجيش يحث الشعب على الحيطة من “الخاسرين من الحراك” والذين تم تحديدهم في البيان بدقة، كما شرحناه أعلاه.

ومن مثل ذلك، ما تجدر الإشارة إليه، وهو عدم تصديق الصحف الجزائرية الصادرة الأمس واليوم (15و16 أفريل) لبيان الأمن الوطني الذي فند تعرية 4 موقوفات في أمن براقي، وأكد أن كل ما في الأمر حدوث “تلمس جسدي قانوني من قبل شرطيات”، ورغم ذلك تم تكذيب البيان وتصديق تصريحات إحدى الموقوفات المنشورة عبر الفايسبوك. الأمر الذي ينبغي أن يولد لدى المواطنين مزيدا من الحيطة والحذر، سواء من الشعارات التي توزع عليه يوم المسيرات، أو من المعلومات التي تنشر في الصحافة وشبكات التواصل الإجتماعي.

 

د . محمد لعقاب

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم