أراء وتحاليل

انطباعات مشارك في ندوة “المنتدى الوطني للحوار”:  مقـدمة لا بد منها  ǃ  

أ.د يوسف قـاسمي *

بادئ ذي بدء نؤكد على أن بلدنا – منذ الانفتاح السياسي الذي عقب أحداث 05 أكتوبر 1988م، و إقرار أول دستور تعددي في الجزائر المستقلة شهر فيفري1989م- يكون فد قطع شوطا مهما في طريق التأسيس الديمقراطي للنظام السياسي و طريقة إدارة الحكم؛ على الأقل من ناحية وضع النصوص التشريعية و تهيئة الإطار التنظيمي، وإنشاء الهيئات و المؤسسات و المجالس الوطنية والمحلية القائمة على النظام الانتخابي… هذا فضلا عن السماح بحرية التعبير الرأي و الإعلام، و تأسيس الجمعيات المدنية و التنظيمات المهنية و النقابية… و غيرها. و على الرغم من النقائص الكثيرة التي تضمنها الدستور المذكور، وما طرأ عليه من تعديلات و تغييرات في سنوات 1996- 2008- 2016.. أغلبها اعتمدت بغرض تكييف مواده و نصوصه بما يستجيب لهوى الحاكم و يعـزز من صلاحيات الرئيس – رأس السلطة التنفيذية المتغولة – إلى الحد الذي تضخم فيه الرأس و هيمن على باقي السلط الاخري: التشريعية و القضائية؛ بل أضحت خادمة له و في قبضته شبه المطلقة- المفسدة خاصة في العشرتين الأخيرتين من حكم الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة   ǃ وعصابته غير الدستورية ؟

على الرغم من تلك العيوب الكثيرة التي شابت الدستور الأم و نسخه المعدلة، و التطبيق الانتقائي الأعرج لمواده ومضامينه؛ إلا أن إطاره العام للدستور ومجمل أجزائه خاصة تلك المتعلقة بالديباجة و طبيعة النظام المجتمعي و الحكم الجمهوري، و التأسيس للسلطات… وغيرها، كلها تظل تشكل مكسبا ثمينا لا غنى عنه، و سيبقى الإطار القانوني الشرعي الذي يجب أن يستند إليه أي إصلاح قادم، أو تغيير مستقبلي للنظام السياسي كله. ومن ثم نؤكد أنه لا يجوز و لا يمكن بأي حال من الأحوال القفز عليه أو إلغائه و الذهاب نحو فكرة إعادة التأسيس التي تقوم على تهديم و محو مؤسسات الدولة الوطنية الجمهورية؛ أو بمعنى أوضح و أدق الاتجاه نحو الفوضى و المجهول -كما يدعو إليه البعض بوعي أو بدونه ؟

لعل أهم مكسب حققه حراك شعبنا بداية من مسيرات 22 فيفري إلى الجمعة20 منها   والتي تزامنت مع ذكرى 05جويلية عيد الاستقلال والشباب – إلى جانب الحراك نفسه سلميته و استمراريته- هو: إعادة بعث الحيوية و الفاعلية في النشاط السياسي و تعزيز ثقـافة الحوار بين الجزائريين؛ داخل الحراك نفسه و في الإعلام و الوسائط الالكترونية، في دواليب الدولة و أطراف السلطة، و بين الأحزاب الوطنية، و كذا قوى المجتمع المدني و النخب و الناشطين.. و بين عموم الجزائريين. حتى أضحى الشأن السياسي الوطني و تتبع الأخبار و تطورات الأحداث و تداعيات الأزمة القائمة الشغل الشاغل لكل المواطنين في كل مكان داخل الوطن و خارجه.

مقاربة رئيس الدولة للازمة والدعوة للحوار الوطني

ضمن هذا السياق جاءت دعوة السيد رئيس الدولة عبد القادر بن صالح في خطابه الأخير ليوم03 جويلية إلى الحـوار الوطني الشامل بين كل أطياف المجتمع الجزائري؛ حيث قـدم في مقاربته السياسية للأزمة موضوع الحوار حول تشكيل الهيئة الوطنية المستقلة للإشراف على تنظيم و تأطير و مراقبة و إعلان النتائج للانتخابات، أطرافه و معاييره… معلنا الحياد التام و عدم مشاركة مؤسسات الدولة و كذا مؤسسة الجيش الوطني الشعبي  في هذا الحوار – كضمانة سياسية للاطمئنان و كسب الثقة، و إغراء الأطراف المترددة المشككة في صدق نوايا السلطة في العزم حقا على إجراء انتخابات رئاسية نزيهة و شفافة. بذلك ألقي الكرة و” ألغـام الموضوع” في ملعب و مرمى أطراف المعارضة خاصة، وقوى المجتمع المدني و الشخصيات و النخب الوطنية… لأجل أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة في هذا الإطار، و ليتبين الخيط الأبيض من الأسود في دعاوي كل طرف أمام امتحان الوطن في هذا الظرف الحساس والوقت العصيب الذي تجتازه الجزائر.

انطباعات حول ندوة “المنتدى الوطني للحوار”

كان أن تزامن خطاب السيد الرئيس مع إعلان موعد انعقاد ندوة ” المنتدى الوطني للحوار” من أجل مناصرة مطالب الشعب يوم06 جويلية بالمدرسة الوطنية العليا للفندقة بعين البنيان- الجزائر، حيث شارك و حضر الندوة أكثر من 600 شخصا من: أحـزاب المعارضة، الجمعيات والنقابات المدنية، الشخصيات الوطنية، وممثلي المبادرات الوطنية. و فد تلقينا في مبادرة: ” منتدى النخبة والكفاءات الوطنية ” دعوة رسمية للمشاركة في أشغال الندوة؛ فكان الحضور بوفـد من 04 أعضاء قاده منسقها الوطني العـام. و لعل من الانطباعات التي خرجنا بها من فعالية هذا اللقاء التالي:

1- التمثيل المتنوع لشرائح واسعة من: الأحزاب السياسية، المجتمع المدني، النقابات المهنية، النخب العلمية و الفكرية، الكفاءات الوطنية، بعض الشخصيات المعروفة، و الشباب… نساء و رجالا. أغلبها تحسب التيارات: الوطنية الإسلامية، و القومية؛ و هو  الأمر الذي يعكس أغلبية مزاج الشعب الجزائري و يعكس تطلعاته في التغيير.

2- الحضور الكبير لرجال الإعلام المرئي و المكتوب من داخل الوطن و من خارجه.. والتغطية الكبيرة للندوة – الحدث؛ كما و كأنها البداية الفعلية للحوار الوطني الشامل.

3- غياب أحزاب ما سمي “البديل الديمقراطي” أو الأحزاب الديمقراطية كما توصف في الأدبيات الإعلامية؛ و رفضها الحضور بسبب رفضها لمرجعية الرؤية السياسية للندوة القائمة على الإطار الدستور مع الاجتهاد السياسي ؟.. و الدعوة إلى الدخول في مرحلة انتقالية معلومة، بل تشدد آخرين على غرار الافافاس و حزب العمال التروتسكي ومطالبتهما بالمجلس التأسيسي كمخرج أول لحل الأزمة و من ثم الدخول في الحوار.

4- عدم حضور شخصيات وطنية معروفة في الساحة الوطنية، حيث كان قد أعلن عن حضورها من قبل بعض الأطراف القائمة على تنظيم الندوة.. على غرار السادة: أحمد بن بيتور، أحمد طالب الإبراهيمي، و مولود حمروش… وهو ما أثار تساؤلات حول غيابها ؟ كما فتح باب الجدل و التحليل و تقديم التفسيرات حول الأسباب الحقيقية لتخلفها عن حضور مثل هكذا محفل وطني سياسي؟ و لماذا تلتزم الصمت حيال دعوات الحوار الموجهة من قبل السلطة و المعارضة في هذا الوقت الحرج تحديدا ؟..

5- غياب شبه كلي لممثلي شباب الحراك و كثير من النشطاء على الفضاء الأزرق،       و المثقفين، و بعضهم كان قد أطلق مبادرات وطنية و ظهر على شاشات التلفزيون…     مثل الشباب الذي أطلق مبادرة ” عزم” مثلا ؟

6- هيمنة الشخصيات الحزبية المحسوبة على المعارضة من الزعماء وممثلي الأحزاب الوطنية والإسلامية التقليدية المعروفة لدى كل الجزائريين.. و احتكارها للكلمات وإلقاء الخطب العصماء – بدلا من فتح باب الحوار و النقاش لإثراء الرؤية السياسية – ودامت طيلة الفترة الصباحية التي بدأت في حدود س10 صباحا لتنتهي حوالي س14 زوالا.. دون إعطاء الكلمة لممثلي المجتمع المدني و النخب و أصحاب المبادرات… كانت الحجة المقدمة بأن ذلك يتعلق” بإجراء تنظيمي” اعتمدته اللجنة المنظمة ؟.. لتؤخر تدخلات ممثلي المجتمع المدني و أصحاب المبادرات إلى الجلسة المسائية بعد مغادرة أغلب

 المشاركين و الصحافة ؟

7- التنظيم السيئ لأعمال الندوة: سواء في توجيه الدعوات آخر لحظة، الاستقبال، داخل القاعة، وفي الجلوس وعدم احترام الصفات والهيئات والتمثيل… باختصار نقطة الضعف الكبرى للندوة كانت في التنظيم.

8- توزيع أرضية الرؤية السياسية والتنظيمية للحوار على المشاركين، و قد تضمنت  إجمالا المحاور التالية: الديباجة، مظاهر الأزمة، المبادئ، الإجراءات والآليات لبعث الثقة والحوار، معايير المشاركة في الحوار، الهيئة الوطنية لتنظيم الانتخابات و الإشراف عليها،آليات التحضير لمرحلة الانتخابات، ضمانات التحول الديمقراطي، الدور المرافق المساعد والضامن للجيش الوطني الشعبي.

لعل أهم شيء أو نقطة ركزت عليه الأرضية هي اعتبارها وتأكيدها على أن: ” الحوار السيد هو الوسيلة المثلى، والموضوع المركزي في الرؤية والخيار المفضل لحل الأزمة.”

  ملاحظة هامة:

مع موافقتنا على أغلب ما جاء في “رؤية المنتدى” و نعتبرها الجزء الأكبر من البنود التي تضمنتها ونادت بها مبادرة “منتدى النخبة والكفاءات الوطنية” التي ركزت بالأساس بالخصوص على “المرجعية و النهج الدستوري مع الاجتهاد السياسي في إطاره أو روحه، و ضرورة الانخراط في الحوار الوطني كأداة مثلي ومسلك أوحد لصياغة رؤية مشتركة عبر التوافق السياسي لتقديم مخرجات حل الأزمة الراهنة… إلا أننا نتحفظ  بل نرفض النقطة الثانية الواردة في عنصر آليات التحضير لمرحلة الانتخابات والتي تنص حرفيا على : “التوافق على مدة قصيرة مدتها (06) أشهر، تفضي إلى انتخابات حرة وتعددية تمكن الشعب من ممارسة سيادته الكاملة.”

نعتبر ذلك شرطا مسبقا معيقا للحوار الوطني، و محاولة يائسة للخروج من الشرعية الدستورية وفرض الحلول السياسية من خارجه.. والاعتماد على فكرة التوافق التي تظل حلما بعيد المنال؛ خاصة بين الأطياف السياسية الحزبية المعارضة المتصارعة والمتهالكة من قبل بداية الحراك الشعبي و من بعده و لا تزال. و الدليل انشطارها الأخير وعدم حضور طرف “البديل الديمقراطي” لندوة المنتدى الوطني للحوار المنعقدة قبل الأمس.

كذلك الأمر والموقف نفسه فيما يتعلق بنقطة سبقت المذكورة أعلاه تتعلق ” باستبعاد رموز النظام السياسي السابق من إدارة الفترة الممهدة للانتخابات”؛ و يوحي ذلك ضمنيا إلى فكرة ” العزل السياسي”  و استبعاد كل الإطارات و الكفاءات التي سيرت المرحلة البوتفليقية و هو أمر صعب في غاية الحساسية والتعيد، غير مقبول  من وجهة نظرنا لانه قد ينتهي بنا إلى ترحيل الجميع و التطبيق غير المباشر للشعار غير الموضوعي ” يرحلوا قع” ؟؟.. وبالتالي الوقوع في فخ الفراغ و الدخول في صدامات قد نعلم بداياتها، لكننا لا نعلم ولا نضمن نهاياتها المأسوية ( والحالتين العراقية والليبية ماثلتان أمام الأعين عندما طبقوا هذه الفكرة اللعينة)

أخيرا فإننا نثمن جل ما ورد في “رؤية المنتدى للحوار الوطني” و نعتبرها خطوة هامة في تعبيد طريق الحوار الوطني الشامل، مع ضرورة التركيز في هذه المرحلة على أولوية إنشاء السلطة الانتخابية المستقلة، و تأمين الضمانات الشاملة الكفيلة بالذهاب إلى إجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة وشفافة تكون نتيجتها الطبيعية انتخاب رئيس جمهورية كامل الصلاحيات يعيد قطار بلدنا إلى سكة الشرعية.. كما يمكن في عهدته القادمة من فتح ورش الاصلاح الكبرى على غرار ورش: الدستور والقوانين العضوية والقطاعية، إصلاح العدالة والتربية والتعليم العالي، والمنظومة المالية والجبائية والتجارية – الاقتصادية الشاملة.. لأجل التأسيس الحقيقي للانتقال الديمقراطي الآمن  والذهاب جميعا لبناء جزائر الغد؛ جديدة ديمقراطية متجددة؛ تنعم فيها الأجيال القادمة بحقوق المواطنة الكاملة.

 

* المنسق الوطني لمبادرة منتدى النخبة والكفاءات الوطنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم