أراء وتحاليلالجزائرالرئيسيةبين الفكر والسياسةسلايدر

تأمل في فيروس كورونا و فوائده

بقلم نور الدين بوكروح*

لن يخرج العالم من أزمة فيروس كورونا كما دخلها. على جميع الأصعدة: الفلسفي والاقتصادي والسياسي، سيجبر الإنسان على مراجعة الأسس التي بني عليها العالم منذ خروجه من القرون الوسطى و هي المرحلة المتزامنة مع نهاية الحضارة الإسلامية.

منذ الأيام القليلة الماضية، أصبح الكوكب شبيها بديكور هوليودي تم تركيبه بين عشية وضحاها لتصوير فيلم كارثة ذي ميزانية كبيرة. لقد سبق و أعطتنا السينما فعلا فرصة التفرج على مشاهد تشابه ما بدأنا نعيشه في الواقع ، لكن شتان بين المخاوف التي ندفع القليل مقابل مشاهدتها فقط لنرفع مستوى الأدرينالين لدينا، و بين الهلع الذي ينتابنا عندما ندرك أننا يمكن أن نموت فعلا بسبب هذا الشيء المجهول الذي يحمل مثل هذه التسمية الكئيبة.

أكبر ضرر سينتج عن هذه الأزمة التي لا تزال في بدايتها، لن يعكسه عدد الضحايا الذي سيكون في نهاية المطاف أضأل بكثير ممّا خلّفه باقي الأوبئة التي استنزفت البشرية في الماضي، بل سيكون في مدى الأضرار الجانبية، الاقتصادية والمالية منها بشكل رئيسي، التي ستخلفها التدابير المتخذة لمكافحته. غريبة هي سخرية القدر التي فرضت على البشرية منطقًا انتحاريًا كهذا: من أجل إنقاذ الأفراد، بات من الضروري تفكيك المجتمعات التي ينتمون إليها!

“التباعد الاجتماعي” كما اصطلحت عليه اللغة الفرنسية حديثا، أو بمعنى آخر العزلة والحجر الصحي (الذي انخفض إلى أربعة عشر يوما عوض أربعين Quarantaine ) والحبس المطلق تقريبًا؛ هي في الوقت الحالي بالإضافة إلى بعض حركات النظافة الشخصية القديمة قدم العالم، كل ما يتسنى من وسائل لاحتواء تفشي المرض. في الحالة التي نتعامل معها اليوم، الإنسان هو الذي أصبح سلاح الدمار الشامل و العامل الناقل للداء. فقد حوّل الفيروس الفرد إلى صاروخ نووي موجه ضد أمثاله من الجنس البشري المعولم.

الإيثار الذي أوصت به جميع الأديان، روح الإنسانية التي دافع عنها الفلاسفة، و مُثُلُ الأخوة والتضامن التي ترفعها شعارات الدول الحديثة انخفضت رتبتها فجأة على سلم القيم، و دعيت للمشي جنب الحائط إلى حين زوال الخطر.

لن يقتل الفيروس الجميع فنسبة الوفيات من ضحاياه ستبقى تتراوح بين 3 و 5 ٪ ولكن لا فرق في ذلك: فالجميع مشتبه في كونه مصدرا محتملا للعدوى، وكلّنا يرى في الآخر مصدر خطر مميت على نفسه وعائلته. لم تعد الأولوية في الاستعجالات الطبية لرعاية كبار السن و من تجاوز السبعين من العمر بل للأصغر سنا. لم تعد القوة في الاتحاد بل صار فيه الضعف. لم تعد يد الله مع “الجماعة ” بل مع الوحداني و المعزول و “المحتجر”. أصبح من الواجب ألّا نبقى مجتمعين بل أن يبتعد بعضنا عن البعض.

صلاة الجماعة يوم الجمعة، قداس الأحد، خطابات البابا وخرجاته للعامة، المراسم الاحتفالية في المعابد، التجمعات الرياضية و الاحتفالية وما إلى ذلك، كلها مؤجلة لتاريخ غير مسمى. الشوارع مهجورة كما لم نرها من قبل أبداً، و معظم المتاجر مغلقة، وأيام العمل تذكرنا بأيام العُطل. تنظيمات دولية قوية مثل الاتحاد الأوروبي تتلاشى و يعاد نصب الحواجز عند الحدود بين الدول وتقطع الروابط الجوية والبحرية بينها.

الثقافة الدينية (الإسلامية على وجه الخصوص) تعلّمنا أن، باستثناء علم الله بذلك، فإنه لا تدري نفس أين أو متى ستموت. و هذا الجهل يعدّ مصدر ارتياح للعباد لأنه يعطيهم الانطباع بأن آفاق زوالهم لا تزال بعيدة. هو ضروري أيضا لاستمرارية المجتمعات التي تكنّ عداوة مميتة للاضطراب الاجتماعي السياسي والذعر الجماعي، اللذان يمكن لهما في فترة قصيرة أن يكسرا قواعد الحياة المشتركة ويستبدلانها بالفوضى.

هكذا إذا، ففي بعض الجهل خير: عدم معرفة أو محاولة معرفة أكثر مما تجب معرفته (و هو ما عوتب عليه غاليليو في محاكم الكنيسة التي كادت تنهي حياته في المحرقة لهذا السبب). ولكن ما العمل، وماذا نعتقد الآن ونحن نعلم سر الله؟ و نحن نعلم أن الكثير منا سيموت على المدى القصير و في المكان الذي يوجدون فيه ؟ الآن و هم يعرفون أين سيموتون  و في أي توقيت تقريبا و يعلمون كذلك، و هو الشيء الجديد، بماذا سيموتون؟ في حالتنا الراهنة، بفعل كائن دقيق لا نكاد نراه أكثر ممّا نرى “الغيب”…

نصلي و ندعو الله على أمل أن يتمكن العلماء (ليس “علماء” الدين واللاهوت من جميع الأديان ولكن علماء العلم الحقيقي) من إيجاد حلّ لهذا الابتلاء الذي لم يأت هذه المرة من السماء بل من الصين المزدهرة، حيث لا يزال هنالك صينيون يأكلون الخفافيش. الخفاش! كيف يمكن من وجهة النظر الدينية التوفيق بين وحش كهذا والشرائع الإلهية؟

فقط في أوقات الخطر الجسيم يتذكر الجاحدون من الأفراد والشعوب والدول، الدور الحيوي المنوط بالعلماء الحقيقيين في بقاء البشرية منذ العصور القديمة. فإذا كان الله هو من يهب الحياة و يستعيدها فإن العلماء الحقيقيين في جميع المجالات هم الذين يضطلعون بمهمة صيانتها وحمايتها وتسهيلها وتعزيزها وإطالة أمدها.

لكن للأسف، ليست انتصاراتهم على المرض و الإعاقة و البؤس والمحن، و ليست اكتشافاتهم واختراعاتهم هي التي يتم رفعها عاليا إلى السماء، أو هم من يُحتفل بهم كالأبطال أو الآلهة، بل انتصارات كرة القدم، و تصنيف المغنين و المغنيات، و هي أشياء لا هدف لها في نهاية الأمر ألّا مجرّد التسلية. فأفضل العلماء الحقيقيين لا يتقاضى طوال حياته ما يعادل الراتب السنوي للاعب كرة قدم أو مغنّ شهير. فالترفيه و المتعة يدرّان أكثر بكثير من المعرفة من ناحية العرفان المادي أو المكانة الاجتماعية. رغم ذلك، ربما كنّا لنضلّ في العصر الحجري لولا بضعة آلاف من الأفراد، في الحضارات القديمة ومن مختلف الأمم، الذين كرسوا أنفسهم لتقدم العلم والصالح العام دون انتظار أي تعويض مادي لجهدهم طوال الألفيات الماضية.

على أي حال فقد دخلنا – نحن البشرية بأكملها – نفقًا سيستمر لعدة أشهر، و سوف يخرج منه الناجون من الأزمة مهزوزين، تملأهم الدهشة و خيبة الأمل، ولكن ربما كذلك ممتلئين بالوعي بضرورة بناء رؤية جديدة للسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية والعالم والله، و لمكانة العلماء الحقيقيين في السلم الهرمي للمجتمع، و كذلك … لسلّم الأجور.

حينئذ ستكون هنالك فائدة من فيروس كورونا الذي هو ربما أحد آخر الأوبئة التي تهدد حياة الإنسان: و هي فتح عيون البشرية على النقائص التي تشوب نظامها الفكري، والعيوب التي يحملها تنظيمها العالمي. إن الحلول تكمن في توحيد العالم والإنسانية وليس في تشرذمها أيّما كانت ذريعة ذلك. ربما في نهاية هذا الابتلاء، سنأخذ المنعرج المناسب للتحول إلى نموذج فكري جديد يلعب دور بوصلة جديدة للجنس البشري، عندما ينتهي هذا الاختبار العالمي و عندما نستخلص جميع الدروس منه و على جميع المستويات.

*ترجمة وليد بوكروح

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى