أراء وتحاليلالجزائرالرئيسيةبين الفكر والسياسةسلايدر

ثورة المواطنة/ توضيح: تلاعبات وتحديات الساعة

"الذين يجعلون ثورة سلمية مستحيلة، يجعلون ثورة عنيفة حتمية" جون كيندي

بقلم نورالدين بوكروح* – بالأمس 18ماي، نشرت تقييما للأوضاع أردته محاولة لتحديد الموقع الذي نوجد فيه بين ماضينا البعيد ومستقبلنا القريب، وقد ترك هذا المقال لدى بعض القراء الانطباع بأني لا أعير اهتماما بالوقت الحاضر، أو بالأحداث المتعاقبة وما تحمله من استعجال وإلحاح، أو بالبحث عن حلول للأوضاع الراهنة.

خاصة وأن مقالي تزامن مع صدور نداء “الحكماء” الثلاثة إلى قيادة الجيش، من أجل الدخول في حوار مع “شخصيات ممثلة للحراك، ومع الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية التي تدعمه، من أجل إيجاد حل سياسي توافقي في أسرع وقت ممكن”.

يمكن أن نراهن بسهولة على أن أغلب “ممثلي الحراك” كانوا سيختارون، كما لو بالصدفة، من بين “الطوايشية” المقربين من المستنقع السياسي، وليس من وسط المتظاهرين المخلصين أو الزاهدين. بين  “الحراك” والحركى” لا يفصل الكثير.

حتى لو تم اختيار البعض من بين الحراكيين الحقيقيين، فسوف يتميع هؤلاء بسرعة ويغرقون في غياهب بحر “القوى السياسية”، التي لم تلعب أي دور على الإطلاق في اندلاع ثورة المواطنة، والتي عارضتها وحذّرت منها عندما كنت أنادي بها في سبتمبر 2017 .

مثلهم كمثل ناهبي الحصاد، يظهرون في وقت القطاف لسرقة ثمار زرعها وسقاها آخرون، وتحملوا صعابها ومخاطرها طويلا. هذا النوع من الإغارة على المحاصيل يعرف عندنا باسم آخر، عقلية جحا، ذهنيةٌ أصبحت سلاح دمار شامل في ثقافتنا السياسية، ووصلت منذ 1999إلى مستوى عال من التطور.

كوني عرفتهم من قريب أو لاحظتهم من بعيد، لطالما تساءلت مند دخولي السياسة في عام 1989 عمّا إذا كان بمقدور معظم الفاعلين في الحياة السياسية الوطنية، بذل جهد مستقل للتفكير على نحو يرقى إلى مستوى مخاطر وتحديات الوقت. بدل الاكتفاء بمجرد الطفو على سطح الأخبار اليومية، أو التمتع “بالتمسكين” أمام أضواء وسائل إعلام صديقة، في انتظار تسونامي شعبي يركبون أمواجه على أمل أن ترفعهم قلوب الجماهير الساذجة إلى مرتبة تضاهي آلهة البحر في العصور القديمة.

و بينما تجسّد نداء “الحكماء” الثلاثة في نصف صفحة لا أكثر، و لم يحتو على أيّ شيء قديم أو جديد على الإطلاق من حيث تحليل الأوضاع أو إيجاد الحلول لإخراج البلد من المأزق، فإن المشهد السياسي رأى فيه بصورة غريبة وبالإجماع، علاجا سحريا للأزمة ومعجزة تضاهي سفينة نوح، بينما هو في الحقيقة مجرد رسكلة غير مدروسة، لعموميات بالية لكنها تحمل في طيها خطراً مؤكدا، حيث أن الحوار المباشر بين الجيش والمجتمع هو استحالة سياسية وقانونية.

يمكن للذين يتابعون كتاباتي أن يتذكروا ويحاولوا الاعتراض عليّ بأني طرحت في السابق شخصيا فكرة ربط حوار بين الجيش و”الحراك”. وهذا هو السبب الذي أدّى بي إلى نشر هذا التوضيح، حتى لا يتم الخلط بين موقفي الشخصي الذي هو ثمرة تفكير شخصي وقانوني و واقعي، وبين التكديس الذي جمع بضعة كليشيهات عامة مستقاة يمينا و يسارا من قبل “الحكماء”الثلاثة. كما أن هذه ليست المرة الأولى التي يقدمون فيها على مثل هذا.

ففي يوم 29 مارس، أي قبل ثلاثة أيام من استقالة الرئيس، نشرت مقال (“29مارس:المسيرة -الاستفتاء”)، والذي قلت فيه أن تطبيق المادة 102 بسبب المرض سيكون أفضل من الاستقالة لأنه سيمنح وقتا إضافيا لفترة الرئاسة الانتقالية (أربعة أشهر ونصف بدلاً من ثلاثة في حالة الاستقالة أو الوفاة)، كما اقترحت أن يقوم الرئيس الذي كان لا يزال في منصبه بما يلي:

  • تعيين وزير أول جديد بدلاً من بدوي، يتم اختياره من قائمة مختصرة للأشخاص الذين أوصى بهم الحراك الشعبي، ليضمن إدارة الشؤون الجارية، وإعداد مراجعة السجل الانتخابي الوطني بالتشاور مع الأحزاب، والإعداد اللوجستي للانتخابات.
  • يعيّن أعضاء السلطة العليا المكلفة بتنظيم الانتخابات الرئاسية، و يتم اختيارهم من قائمة قصيرة يقترحها الحراك الشعبي.
  • يعين في المقاعد الشاغرة للثلث الرئاسي أشخاصا معروفين بمصداقيتهم وبعدهم عن السلطة.
  • استقالة السيد بن صالح من منصبه كرئيس لمجلس الأمة، الذي يقوم بانتخاب أحدى هذه الشخصيات الذين اقترحها الشعب من بين الثلث الرئاسي.
  • الرئيس الجديد لمجلس الأمة يتولى الرئاسة المؤقتة
  • أن يتم التوصل إلى توافق في الآراء بالتشاور مع مندوبين عن الحراك بشأن التمديد الاستثنائي للفترة المؤقتة، على أن يمكن انتخاب الرئيس الجديد في شهر سبتمبر.
  • أن يجد الحراك ما يكفي من الوقت لتطوير أرضية سياسية يشارك بها في الانتخابات الرئاسية.
  • استبعاد أحزاب التحالف الرئاسي من الانتخابات الرئاسية.

بالطبع لم يتم أخذ أي من هذه المقترحات بعين الاعتبار، واستقال الرئيس في 2 أفريل تاركًا وراءه وضعا مسدودا تمامًا. ثم قمت في الرابع من أفريل بنشر مقال “التوافق بين السيادة الشعبية والشرعية الدستورية”، والذي كتبت فيه ما يلي:

” لقد حبسنا بوتفليقة قبل رحيله في مخطّط شيطاني .فقد ألغى الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في 18 أفريل، ثم عيّن حكومة ” لا- كفاءات ” وطنية، و فَرَضَ حضور عبد القادر بن صالح في جلسة تسليم رسالة استقالته بينما لم يكن المكان ولا اللحظة و  لا شخصه مناسبين لتعيين خليفة له .وأخيرا بعث للشعب برسالة اعتذار مزعوم .إن هذه الأفعال ليست سوى طعنات غادرة و”حيل جحا” أراد بها الانتقام من الشعب الذي طرده.

غادر تاركا إيّانا نبحث عن ثقب فأر في الدستور، نحاول التسلّل بين القطرات والخروج من بينها “ناشفين”، على أمل أن نتخلّص سالمين آمنين من الوضع المشبّك الذي تَركنا فيه.

في ما يلي بعض الإمكانيات لنتمكن من ذلك:

  • الطيب بلعيز، رئيس المجلس الدستوري يستقيل … نائب رئيس المجلس يحل محله.
  • ينسحب عبد القادر بن صالح من رئاسة مجلس الأمة، تاركًا الطريق أمام عضو من المعارضة والذي سيكون رئيسًا مؤقتًا للدولة.
  • يستقيل نور الدين بدوي من منصبه بمجرد أن يتولى الرئيس الجديد لمجلس الأمة منصب رئيس الدولة …

في ترتيب البروتوكول الرسمي للحكومة، يأتي نائب وزير الدفاع الوطني مباشرة بعد رئيس الوزراء… و بصفته هو رئيسًا للوزراء، سيتمكن من التواصل مباشرة مع الثورة المواطنة ومع الأحزاب السياسية للاتفاق على إنشاء السلطة العليا التي ستنظّم الانتخابات، ولمراجعة السجل الانتخابي الوطني، ولإحاطة الانتخابات الرئاسية المقبلة بكل شروط الشفافية والمصداقية المطلوبتين. أما بصفته رئيسا لأركان الجيش، فإنه سيكون الضامن لعدم تدخل المؤسسة العسكرية في الانتخابات الرئاسية”.

مرة أخرى لم يُأخذ هذا الاقتراح عين الاعتبار رغم أنه كان الطريقة العملية الوحيدة لتحقيق تطلعات ثورة المواطنة والتمسك بالشرعية معا. وكانت العملية لتحضى بالموافقة الشعبية بالإضافة إلى أنها لم تكن لتزعزع النظام الدستوري. كذلك و على وجه الخصوص، كان بإمكانها أن تجنّب الجيش من أن يجد نفسه في وجه لوجه محرج مع الشعب، تحت العيون المترصدة لعدة قوى أجنبية.

هذا الحل الذي لا يضر بشيء عدا الذرائع، لا يزال ممكنا. أكثر من ذلك فهو سيفرض نفسه تلقائيا في حالة وفاة السيد بدوي مثلا. إذا كان هنالك حل أفضل وأكثر نجاعة وأقل تكلفة منه فلي خبرنا أصحابه به ولنبدأ في تفعيله دون تأخير.

لقد سقطت الانتخابات الرئاسية الأولى التي كانت مقررة في 18 أفريل في الماء. وستؤول الثانية المقررة في 4 جويلية إلى نفس المصير بسبب عدم وجود مرشحين أو ناخبين. فمتى ستكون المحاولة الثالثة حين لا يجرؤ أحد على تقديم أدنى اقتراح يمكنه فرز كبّة خيط يزداد تشابكها كل يوم؟

 

*ترجمة بوكروح وليد

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم