أراء وتحاليلالجزائرالرئيسيةبين الفكر والسياسةسلايدر

ثورة المواطنة: من لعنة الدستور إلى بركته

بقلم نورالدين بوكروح*                                                                    

من المفارقة إن المواد الدستورية التي نجت من تعديلات بوتفليقة المتعددة، هي التي تثير اليوم أغلب المشاكل: وهي المواد 7 و 8 و 11 و 12، المجسّدة للمبادئ التي يقوم عليها المجتمع الجزائري وللسيادة الشعبية. فلا الشعب ولا السلطة و لا خبراء الدستور كانوا يعيرون أيّة أهمية لهذه المواد قبل بداية الأحداث التي نشهدها منذ 22 فبراير.

لأن الشعب لم يطالبها بشيء غداة الاستقلال، فإن السلطة المغتصبة من قبل محتالين لم تقترح عليه شيئا. وهكذا كان دستور بن بلة (1963) في غاية البُخل فيما يتعلق بالسلطات المنوطة بالشعب. فسلم له القليل من يده اليمنى لتسارع اليسرى بانتزاعها منه. و كان ذلك من خلال مادة واحدة هي 27 التي تقول: “السيادة الوطنية ملك للشعب الذي يمارسها من خلال ممثليه في الجمعية الوطنية، و الذين تقترحهم جبهة التحرير الوطني، وينتخبون لمدة خمس سنوات بالاقتراع العام والمباشر والسري.”

ثم جاء دستور بومدين (1976) بتقدم بسيط لكن من الناحية النظرية فقط. فالمادة 27 صارت المادة 5 و جاء فيها: “السيادة الوطنية ملك للشعب الذي يمارسها عن طريق الاستفتاء أو من خلال ممثليه المنتخبين”. و هي العبارة التي استنسخت حرفيا من المادة 3 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 و التي نصّها: ” السيادة الوطنية ملك للشعب الذي يمارسها عن طريق منتخبيه أو بواسطة الاستفتاء”.

لكن ما أن استيقظ الشعب جزئيا في أكتوبر 1988 حتى تغير وضعه على الفور في أعين السلطة، و قفز عدد المواد المخصصة له من واحدة إلى أربعة مواد معطيا إيّاه بذلك أكثر ممّا كان يطلب. فدستور الشاذلي (1989) هو الذي جاء بالمواد التي يعرفها الجميع الآن: المادة 6: “الشعب مصدر كل السلطة. السيادة الوطنية ملك للشعب.” المادة 7: “السلطة التأسيسية ملك للشعب. يمارس الشعب سيادته من خلال المؤسسات التي يختارها لنفسه. يمارس الشعب ذلك عن طريق الاستفتاء ومن خلال ممثليه المنتخبين”. المادة 10: “الشعب يختار بحرية ممثليه. ليس لتمثيل الشعب حدود أخرى غير تلك التي يحددها الدستور والقانون الانتخابي.” المادة 11: “تستمد الدولة شرعيتها وسبب وجودها من إرادة الشعب“.

أمّا دستور زروال (1996) فقام بتغيير الأرقام فقط. و أصبحت المادة 6 هي 7 ، و 7 هي 8 ، و 10 هي 11، و 11 هي 12. و الفضل الرئيسي الذي يمكن أن يستحقه هذا الدستور كان في تحديده عدد العهدات الرئاسية باثنتين و في إنشاء مجلس الأمة.

لم يحدث أن أبدت الأوساط السياسية و الجامعية من قبل الاهتمام الذي تبديه حيال الدستور الآن و منذ 2 أبريل، تاريخ طرد آل بوتفليقة الذين لعبَ به كبيرهم كما يلعب طفل بلعبته، بينما كان الأصغر يصول و يجول بين أروقة المرادية و زرالدة بختم الدولة في جيبه.

لم يكن هذا يضايق آنذاك تلك الأوساط و إلا لما طال حكم آل بوتفليقة كل هذه المدة. نادرون من  تجرءوا على التنديد بالاغتصاب المتكرر الذي كان يتعرض له الدستور، و أندر منهم من وصلوا إلى حدّ النداء إلى ثورة مواطنة من أجل وضع حدّ لهذه الممارسات.

منذ ذلك الحين، و “خبراء” الدستور الذين تتعارض آرائُهم في نفس النقاط، و “طوايشية” باحثون عن أبواب تدخلهم إلى السلطة ليس باسم القانون أو صندوق الاقتراع، ولكن باسم “الحراك”  أو حتى باسم الأقلية. كلّ هؤلاء يتزاحمون في بلاطوهات التلفزيون و صفحات الجرائد والفايسبوك، و يأرجحون الرأي العام، حتى يصيبه الدوار، بين الخوف والذهول أمام ما يمكن أن يحدث له إذا لم يستمع إليهم.

و وصلت الوقاحة بهم اليوم إلى حدّ لوم الدستور لكونه لم يتوقع مثل هذا الموقف أو ذاك أو هذا الوضع أو ذاك، كما لو أنّ المذنب في ذلك ليس انعدام كفاءة الرجال أو قصر نظرهم أو خلفياتهم الشيطانية، بل هو الحبر والورق اللذان اشتركا في كتابة الدستور لنفسه بنفسه.

في البلدان السليمة عقليا وجسديا، أفكار السياسيين وأفعالهم وسلوكياتهم هي التي تتوافق مع الدستور وتنتظم حسب ما ينص عليه وليس العكس، ليُلام الدستور بعد ذلك لأنه لم يتوقع ما تمليه على هؤلاء نزواتهم و “نفحاتهم”. فالدستور لا يقول أبداً إلّا ما نكتب فيه. لا يمكنه أن يكون صامتا أو ثرثارا حول هذا الموضوع أو ذاك بل يقتصر على تدوين ما أراده مصمموه و كاتبوه في ما يتعلّق بتعريف و طريقة تركّب مختلف السلطات (التنفيذية والتشريعية والقضائية و الهيئات الاستشارية). ليس من مهامّه استشراف ما يمكن أن يصدر من تصرفات ومبادرات من المرضى العقليين أو محترفي الاستبداد أو “العصابات” التي لا ندري بأي لعنة تمكنت من الوصول إلى أعلى هرم السلطة، ثم يدستر هذه الأفعال قبل أن تقع.

عوض أن يتّهموا في ذلك حالة المرض العقلي الوطني الذي رضخنا له منذ الاستقلال، فإنّ الدستوريين المزيفين و “الطوايشية” الحقيقيون بالكرافاطة أو بالقميص، الشباب منهم أو الذين قاربوا القرن في السّن، هؤلاء يفضّلون اليوم محاكمة حوالي ثلاثين صفحة من الورق الجامد التي لن تستطيع لوحدها أن تفعل لنا شيئا، و التي لا مفعول لها أكثر ممّا كان لأصنام الكعبة في زمن الرسول.

بوتفليقة مسح الأرض بالدستور الجزائري كما لم يفعل أحد قبله، و لهذا السبب نزلت عليه “لعنة الدستور” (و هو عنوان مقال نشرته على لوسوار دالجيري في 24 أبريل 2011) بأكثر قسوة ممّن سبقوه، و ضربته على مرّتين: ففي أوّل عهدة قام بسرقتها و هي العهدة الثالثة، أصيب بجلطة دماغية تركته معوقا و في حالة طفيلية. ثم في العهدة الرابعة حين أطاح به تضافر جهود ثورة المواطنة و الجيش. لم تبق له اليوم إلّا الدموع التي يجب أن يذرفها تحسّرا على ما ارتكبه من شرور.

و ختمت آنذاك ذلك المقال باستشراف للمستقبل أصبح اليوم في حكم الحاضر:إنّ الأرواح  المتألّمة للشهداء، الذين خدعتهم شياطين الاستبداد التي سيطرت على حُكامنا حتى قبل الاستقلال، لن تعرف الراحةُ حتى يأتي اليوم الذي ستتزوّد فيه جرائرنا بدستورٍ جديرٍ بالمُثُلِ العُلْيا التي استشهدوا من أجلها، دستور لن يتغيّر لقرنٍ من الزمن، و سيؤسس لسيادة وحقوق و واجبات الشعب وليس للمصالح الظرفيّة لشخص واحدٍ أو مجموعة من أشخاصٍ أو عصابة. ” و ها نحن اليوم نعيش ذلك.

“لعنة الدستور” هذه ستتوقف يوم يُشرف الشعب أخيرا على كتابة دستوره الذي سيكون بمثابة التتويج لثورته المواطنة. لكن في انتظار أن يصل ذلك الوقت، فلنتمسك باحترام الدستور الحالي كما لو كان سيارة مضروبة من جميع النواحي لكنها تواصل التقدم “على الحديدة”، حتى تصل إلى المحطة القادمة أين ستقوم بتغيير عجلاتها المثقوبة و إصلاح مختلف أعطابها.

 

*ترجمة بوكروح وليد

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم