الجزائرالرئيسيةبين الفكر والسياسةسلايدر

ثورة المواطن: هل الطريق الأقصر هو طريق الصّواب؟

بقلم نورالدين بوكروح*

منذ رحيل آل بوتفليقة وأيام الجمعة والثلاثاء تتناوب وتعطي الكلمة تباعا، فيما أوشك أن يصير من الطقوس، للشعب والقيادة العليا للجيش دون أن يغير ذلك في الأوضاع شيئا. هذا في الوقت الذي كنّا نقترب فيه بقلق من تاريخ انتهاء فترة الرئاسة المؤقتة للسيد بن صالح في 9 جويلية.

لكن الخطاب الذي وجهه مؤخرًا إلى الأمة رفع هذا الرهن المعلق فوق رأس البلاد والمخاطرَ الناتجة عنه: فهو سيبقى في منصبه حتى انتخاب رئيس جديد، مغلقا الباب أمام أي حل آخر. فستكون إمّا الانتخابات في أقرب وقت ممكن أو التجديد المستمرّ للفترة الانتقالية

ولو استمر ذلك مائة عام. لو مات هو فإن رئيس مجلس الأمّة الحالي سيحل محله و هكذا دواليك إلى آخر عضو في مجلس الأمة، وهو الخيار الذي يتوافق مع ما تبقى عندنا من منطق دستوري.

كما أجاب السيد بن صالح أيضًا بصفة غير مباشرة على الشعار الرئيسي الذي يرفعه الحراك (“يتنحاو قاع!”): بأن ذلك سيكون من شأن الرئيس القادم الذي سيشرف على ذلك في كنف الاستقرار والشرعية، كما سيكون الأمر كذلك أيضا فيما يتعلّق بفتح ورشة الدستور الجديد و باقي الإصلاحات.

هذا الشعار ذو طبيعة “طوايشية”، و أقصد بهذا أنه مخالف للواقع، فهو ينتمي إلى نفس صيغة الأمر المطلق التي يشير إليها القرآن بعبارة “كن فيكون”، أو التوراة بعبارة “Fiat lux”. وكونه يتبع بذلك سجلّ المعجزات، فهو إذا أقرب للصفات الربّانية منه إلى الصلاحيات الإنسانية. فلو كان من الممكن أن يضع أحد قائمة شاملة بأسماء المسئولين المراد تنحيتهم و أخرى للذين سيعوضونهم، لما كانت في الأمر مشكلة.

لكن النظام، مثله مثل الشيطان شقيقه التوأم، إنما يختبئ وراء المعروف كما المجهول، وفي التفصيل والتعميم، وعلى القمم وفي أسفل المنخفضات. ناهيك عن كون النظام أيضا ثقافةً صاغت العقلية الجزائرية من أعلى السلم الاجتماعي إلى أسفله. وإن كانت العديد من الوجوه المجسدة له توجد اليوم في السجن بالفعل أو توشك على الالتحاق به، لكن العملية تتطلب استكمال إجراءات إدارية وقضائية لتتمّ، وكذلك بعضا من الوقت.

لم يعد تركيز الحراك على رحيل الباءين (فالثالث لا يستحق الذكر) ضروريا لأن الرجلين لا يمثلان لوحدهما أي خطر. فهما لا يفعلان شيئًا بمحض إرادتهما ولا يمكن لهما أن يخدما أجندة أخرى غير أجندة المؤسسة العسكرية التي رافقت الشعب في مهمة طرد آل بوتفليقة. بل الاثنان سيمثّلان “الحجاب” الذي ستلبسه المؤسسة لأنها لا تستطيع أن تظهر بوجهها للعلن و هي تلعب هذا الدور، و لا يجوز لها أن تنكشف إلا “لأهل الدار” فقط، و هذا ما يمثله السيد بن صالح: هو أحد “أهل بيت النظام” الذي أدخله إليه، هو و أويحي، الرئيس السابق زروال.

لكن إذا كان أويحيى حاملا لشحنة كهربائية”سالبة”، كائنٌ شيطانيٌ يرتكب الشر لمجرّد ارتكابه،فإن شحنة بن صالح كانت “حيادية”، فهو كان يكتفي بفعل ما يُطلَبُ منه فقط في وظائف لا يسيّر من خلالها الثروات الوطنية و إنّما مجرد الكلام والخطابات الظرفية. فالنظام هكذا مركّب يشبه الذرة، شحنته الكهربائية “صفرية”، ويحتوي على العديد من الإلكترونات ذات الشحنة “السالبة”، كما يحتوي أيضا على النيوترونات ذات “الشحنة المحايدة” (كبار المسئولين والإطارات الذين لم يلحقوا أي ضرر بالبلاد بل عكس ذلك).

لقد رمت ثورة المواطنة في مزبلة التاريخ بالرئيس الذي لم يكن ينبغي منذ البداية أن يكون بوتفليقة. وشهدت عودة الجيش إلى حضن الشعب، وهي العودة التي نأمل أن تكون حقيقية ونهائية. ثم أفشلت انتخابات الرابع من جويلية التي كانت ستجرى كما لو لم يحدث أي شيء استثنائي في البلاد. و ها هي اليوم قد بدأت تبتعد عن “الطوايشية” الذين يريدون أن يقودوها إلى المغامرة وربما حتى إلى عودة العصابة بوجوهها القديمة أو  بأخرى جديدة.

المسألة اليوم ليست في الانتهاء من ثورة المواطنة وإنما في مساعدتها على الولادة، حتى لا تموت أو تجهض. و هذا هو على وجه الخصوص سبب إصراري على التمييز بينها وبين مفهوم “الحراك”، فالعبارتان ليستا مترادفتين بل هما في الواقع نقيضان، فلو قمنا بوضع ترتيب سّلّمي لتصنيفهما سنجد “الحراك” في الأسفل و “ثورة المواطنة” في الأعلى. فالحراك مثل الغضب أو العاصفة أو الانتفاضة هو عابر، في حين ثورة المواطنة هي صحوة ووعي لا رجعة فيه، تحوّلٌ داخليٌّ شامل و تغيرّ في”النموذج الأساسي ” (Paradigme) . أينما تحدث هكذا ثورة، لن يعود الناس لينظروا للأشياء كما كانوا قبلها. أمّا “الحراك” فيمكن أن يتوالى العديد منه دون أن يتمكّن من تحقيق نتائج ثورة المواطنة، كما رأينا ذلك مرارا وتكرارا من خلال الثورات العربية.

حتى الآن كان “الحراك” يهتف بالشعارات و يلوّح بالمطالب لتنفيذ المواد الدستورية المجسدة لسيادة الشعب. وكرّس منهجيته السلمية وفقا لاحترام الدستور وداعيا لتنفيذ أحكامه. وجهة نظري الشخصية منذ 22 فبراير هي أن البقاء أقرب ما يمكن من الدستور، حتى و هو في الحالة التي تركه فيها بوتفليقة، هو السبيل الذي سيمكّن من الاستجابة لمطالب الثورة الواحد تلو الآخر، مع مرور الوقت ومن خلال الآليات القانونية، لأن الشعب الجزائري الجديد الذي ولد من رحم ثورة المواطنة هو الذي سيحرص على ذلك.

ربما حان وقت “التنازلات من كلا الجانبين” التي تحدث عنها رئيس الأركان من تمنراست. خاصة بالنسبة للسلطة التي لم تتنازل أبدا طيلة وجودها عن شيء للشعب، بينما فعل هو كلما طُلب منه أو فُرض عليه منذ الاستقلال مقابل لاشيء، أو مقابل عدم الكفاءة والإفلاس والنهب، و مقابل “معيشة الكلاب” التي يصمّم هذه المرة على الخروج منها مهما كلفه الثمن.

إشارة، كلمة، أبسط تنازل من قبل السلطة وسيصبح الحوار ممكنا على الفور: الإعلان بأن أحزاب التحالف الرئاسي السابق الأربعة لن تكون جزءًا منه، كون هذه الأخيرة تمثّل جسد المعركة بالنسبة للنظام. لن يكون هنالك دليل أفضل من هذا على حسن نواياها و سيصبح حينها أقصر الطرق هو أيضا طريق الصّواب للجميع. أمّا إذا رُفضَ هذا التنازل فسيعني ذلك أنّ السلطة عازمة على سلك طرق ملتوية من أجل السعي إلى إعادة النظام القديم على السرج، بعد اقتلاع القليل من الرؤوس فقط، والتي ستستبدل سريعا..

يقف الجزائريون حقيقة في مفترق الطرق وهم منقسمون حو ل اختيار الاتجاه الصحيح.

“الحراك” يتصرف كما لو أنه تبنّى المثل المالي الذي يقول: “إن أقصر طريق للذهاب من نقطة إلى أخرى ليس الخط المستقيم، بل الحلم”. أمّا الحكيم الألماني غوته فكان يعتقد أنّه “لن يضيع أحد و هو على طريق الصّواب”، بينما كان مواطنه الأكثر واقعية، بيسمارك، يردّد أنّ “في السياسة، يجب علينا إتباع طريق الصّواب، فمن المؤكد أننا لن نلتقي فيه أحدا”.

في من نثق من بين هؤلاء؟ النقاش مفتوح.

*ترجمة بوكروح وليد

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم