ثقافة

حي سوريا الصغيرة بنويورك

بقلم : لويس ورنر ، كاتب و مخرج سينمائي من نيويورك، مجلة أرامكو السعودية ، العدد : رقم 63 / نوفمبر – ديسمبر 2012

ترجمته الى العربية : البهجة ستيت

ebsteit@outlook.com

عاش ذات مرة بجزيرة مانهاتن في نيويورك – و هو اسم أمريكي هندي الأصل يعنى به “العديد من التلال”- بشارع واشنطن السفلي – تيمّنا باسم أول رئيس لنا – أناس يحملون أسماءا عربية مثل “سكاكيني” ، “خوري” و “هواويني” .

كانت الأغلبية العظمى منهم من المهاجرين المسيحيين قدموا من البلدان المعروفة اليوم باسم لبنان و سوريا ؛ و الذين بدأوا في الوصول بسبعينات القرن الماضي أي ما بعد 1870 ، آتين من ما كان يعرف آنذاك بالمقاطعة العثمانية في سوريا ، ليترك معظمهم قراهم الأصلية الواقعة في جبال أعلى بكثير من تضاريس مانهاتن غير المليئة بالتلال .

جلب هؤلاء المهاجرون معهم أطعمتهم ، ألبستهم و تقاليدهم أيضا – بما في ذلك البيع تجوالا بالشوارع . أصبح حيّهم يعرف بسوريا الصغيرة و منذ ما يقارب 75 عاما ؛ حتى بعد الحرب العالمية الثانية ، كانت هي ، تلك النقطة – و على مرأى من تمثال الحرية – إليها حيث وصل العديد من المهاجرين العرب الى الولايات المتحدة .

و كحال أمريكا نفسها ، تغيّر شارع واشنطن مع مرور الوقت ؛ فقد إمتدّ في آواخر الأربعينات من القرن العشرين بناء نفق بروكلين-باتيري مهدما الشوارع الى الجنوب ، ممّا أدّى الى تفريق ما بقي من السكان العرب المتضائل و إغلاق آخر مطعمين عربيين بالحي هما : “مطعم النيل” و “مطعم الشيخ” .

نظرا لأن منطقة منهاتن السفلى أصبحت مكانا للمباني المجهّزة بالمصاعد و المكاتب ذات التمويل العالي ، أغلقت المتاجر الصغيرة و مخازن المستودعات . هُدمت مساكن الشقق ، و بُني مرآب للسيارات – كانت الإهانة الأكثر ضررا للمجتمع الذي كان يعيش ذات مرة على المبيعات المتجولة ، ليأتي فيما بعد تدمير مركز التجارة العالمي في أحداث 11 سبتمير 2001 ، فقط على بعد بضعة مبان الى الشمال .  

يوجد اليوم وعي أعيد إكتشافه مجدّدا عن دور الحيّ في التاريخ العربي-الأمريكي ، فقد أثار أحفاد المهاجرين الذي أطلقوا على المنطقة اسمها ، ناقوس الخطر بشأن فقدان ما تبقى من بنيتها المعمارية الأصلية . نتج عن مؤتمر حول سوريا الصغيرة الذي أقيم بمتحف مدينة نيويورك عام 2002 ، على نشر كتاب “مجتمع من عوالم كثيرة : العرب الأمريكيون في مدينة نيويورك” .

يخطّط المتحف القومي الأمريكي العربي في “دير بورن” بولاية ميشغان لمعرض سوريا الصغيرة . و كأكثر مثال حيّ لهذا الإكتشاف التاريخي من جديد ، هو في العثور تحت أنقاض مركز التجارة العالمي على حجر الزاوية لكنيسة سانت جوزيف المارونية – هذه الكنيسة التي بدأت في خدمة الحيّبالتسعينات من القرن التاسع عشر.

تمثّل الدافع الحماسي في البداية للموجة الأولى من هجرة العرب الى نيويورك في معرض أمريكا المئوي عام 1876 ، و الذي عُقد بفيلادلفيا . جلب هذا المؤتمر عددا من المندوبين العرب و الذين عادوا الى الوطن ليمجدّوا الفرص الجديدة في الولايات المتحدة .

إستأجر مكتب الهجرة بعام 1890 “نجيب أربيلي” للمساعدة في توجيه مواطنيه اللبنانيين من مراكز استقبال المهاجرين ، من حديقة قلعة نيويورك و جزيرة “إليس” لاحقا . كما عبّر عنه “ابراهيم رحباني” بإيجاز في كتابه “رحلة بعيدة”، و هو عبارة عن كتاب مذكّراته يتحدّث فيه عن وصوله عام 1891، كتب فيها يقول :”نزلنا الى اليابسة في باتيري بليس )نقطة أقصى جنوب مانهاتن( ، تحرّينا مدخل الرصيف من أجل حقائبنا الكبيرة..ثم إنتقلنا الى منزل إقامتنا بشارع واشنطن” .

شهدت المنطقة قدوما و ذهابا مفعما بالحيوية في خلال تلك السنوات . فقد برزت ببطء لوحدها من كونها مكانا للإقامة و التجارة معا للمهاجرين من جميع الطبقات الإجتماعية ، الى منطقة للمحلات التجارية المملوكة لأولئك الباعة المتجولين الذين كانوا يبيعون البضائع الى مواطنيهم المتنقلين الأقل رغدا . إستأجر هؤلاء الغرف في مساكنها الضيّقة بين الرحلات البعيدة المدى التي وصلت الى حد معسكرات التعدين في الغرب الأمريكي . كما كتب المؤرخ اللبناني الأمريكي اللآمع “فيليب هيتي” بكتابه “السوريون في أمريكا عام 1924” ما يلي : “إنّ التجارة تأخذ الرجل بعيدا”.

أصبح من الممكن ، مع إكتمال جسر بروكلين عام 1883 و نفق مترو الأنفاق إيست ريفر سنة 1910 ، الوصول الى البلدات الخارجية الصاخبة ، و الى أولئك الذين تمكّنوا من نقل عائلاتهم بعيدا عن مانهاتن ، تاركين الباعة المتجوّلين خلفهم . فقد وُصف شارع أتلنتيك بحلول عام 1935 ، بأنه “شارع واشنطن الجديد” .

لا تتوفر أعدادا دقيقة للعرب الذين عاشوا في شارع واشنطن ، و يعود السبب في ذلك الى حدّ ما الى أنهم سُجّلوا “كسوريين” لدى وصولهم ، غير أنهم أُعتبروا “أتراكا” بالإحصاءات اللآحقة للسكان . أقرّت إحدى التقديرات بتعداد 300 عائلة عام 1890 ، كما قدّرت صحيفة بعام 1904 مجموعه 1300 من الأفراد .

بلغ إجمالي عدد المهاجرين العرب الذين تمّ قبولهم في الولايات المتحدة 41.404 ، بين عامي 1899 و 1907 . كما وصل 15000 آخرون بالسنوات الثلاث التي تلتها . بينما انتهى المطاف بأولئك الذين وصلوا فيما بعد في حيّسوريا الصغيرة . بيد أنه كان هناك واحدا من لم يختر النزول فيها ، إنه “سلوم رزق” ، و الذي وصل عام 1925 آتيا من قريته الهادئة “عين العرب” ، حيث أنه ألقى نظرة واحدة على المدينة ليشتري بعدها تذكرة بالقطار الأول المتّجه الى مدينة “سيوكس” بولاية “أيوا”. كتب بهذا الصدد يقول :”كانت نيويورك عارمة ، عبارة عن فوضى لا تصدق من السرعة و الضخامة : ملايين من الناس ، ملايين السيارات ، المباني ، النوافذ ، الأضواء ، الضجيج – إنها كتلة كبيرة من الغموض تسبح و تدور بعينيّ” .

لكن أولئك الذين بقوا ، هم من جعلوا سوريا الصغيرة مشهورة ، فقد تعجّب كاتب من جريدة نيويورك تايمز خلال زيارته عام 1899من بضائع العديد من أسواق باعتها المتجولين ، مثلها كمثل بقالة “ابراهيم سهادي” و التي أنشأت هناك بعام 1895 . لقد ذكر الكاتب مستعينا مجازا بكهف علاء الدين ، أصيب الكاتب بالذهول من شكل السيوف و المصابيح المعلّقة بالسقف ، بالأسورة الزجاجية المتعدّدة الألوان و الأراغيل مع “أكسسواراتها” ، ليخيب ظنّه في النهاية بما لم يعثر عليه من ؛ “لا على عيون واهنة و لا طرابيش حمراء”.

تزداد “سهادي و شركاه” قوة اليوم بجادة أتلنتيك في بروكلين ، بعد إنفصال أحد أبناء أخيه و إنشاءه متجرا جديدا هناك قبل 60 عاما مضت ، ملتحقا في ذلك بزبائنه العرب . يتذكّر المالك الحالي “تشارلي سهادي” البقالة الأصلية لعمّه ابراهيم ، و التي ظلّت بشارع واشنطن حتى عام 1967 ، قائلا :”منذ أيامها الأولى ، باعت منضدة البيع المكسّرات و الفواكه المجفّفة لزبائن مختلفين للغاية ، فهم حتى الآن لا يزالون يصنعون بأنفسهم الحلاوة و سبائك السمسم أو *النوغا و معجون المشمش.

أصبحت التجارة شأنا خاصا للعائلة الممتدّة ، فقد غدا والد شارلي “وايد” ، و الذي قدم من “زحلة” بلبنان عام 1919 ، بائعا متنقلا لحساب ابراهيم ، حيث كان يركب القطار الى الغرب الأوسط الأمريكي لأخذ الطلبيات للبيع بالجملة . زوّدهم أعمامهم في لبنان بالبهارات و الحبوب غير المتوفرة بأي مكان آخر ، إضافة الى الصواني النحاسية و أباريق القهوة و المدقّات ، حيث يصرّ طهاة العرب على جعل جميع الأطعمة أفضل مذاقا .

أسّست عائلة “أربيلي” أول صحيفة عربية بنيويورك ؛ “كوكب أمريكا” تبعتها أخرى سمّيت بصحيفة “الهدى” ، طُبعتا كلاهما بشارع واشنطن . لا تزال “ماريان سهادي سياشيا” ، )و هي لا علاقة لها بعائلة البقالة التي تحمل نفس الاسم( ، و التي جاء والدها من قرية “جعيتا” ، كما جاءت والدتها من لبنان عبر جزر الهند الغربية ، تتذكّر و هي مراهقة تسلّم أعداد صحيفة الهدى للمشتركين فيها قائلة :”لقد أبقتني منشغلة بعد المدرسة ، حيث جنيت نكلة1 على كل عملية توزيع . لم أتمكن من قراءة العربية لكنني كنت أتحدث بها مع والدي ؛ كانت بمثابة لغتنا الخاصة بنا لأن والدتي لم تكن تتكلمها جيدا”.

تمكّن أولئك الذين لا يجيدون العربية من مواكبة الأخبار المحلية في العالم السوري عبر اللغة الإنجليزية ؛ فقد تضمّنت في عددها الأول عام 1926 ، مقالا للشاعر الكبير اللبناني الأصل “خليل جبران” ، يحثّ فيه على الإستيعاب الثقافي . و مع ذلك ، فإن استشهاد “جبران” بكاتبين قليلي الظهور مثل “رالف والدو إيمرسون” و “هنري جيمس” ، في مكتوبه :”رسالة الى الشباب الأمريكي من أصل سوري” ربما كان قد مرّ فوق رؤوس قرّائه ، أي لم يمكنهم فهمه .

ففي حين استطاع المهاجرين العرب المضي قدما في أمريكا ، إلاّ أنهم واجهوا بالمرة عقبات ثقافية أمامهم . فقد وقع المصلح الإجتماعي “يعقوب ريس” في فخ الإبتذال الأقل موهبة بكتابه :”كيف يعيش النصف الآخر” و الصادر عام 1890 عن حياة المسكن بنيويورك ؛ حيث يحمل فصله الخاص بالأطفال المشردين مصطلح “الشارع العربي” كعنوان له ، لقد نُظر إليه اليوم كإهانة عرقية .

في تقدير السورية الأمريكية “أليكسا ناف” ، مؤسسة أرشيف التاريخ العربي الأمريكي بمعهد “سميثسونيان” و مؤلفة كتاب “أن تصبح أمريكيا :تجربة المهاجرين العرب الأوائل ؛ 1880-1950” ، أنّ بائعا متجوّلا بعام 1950 كان ليحصل على 1000 دولارا سنويا ؛ بينما كان عامل مصنع يجني بالكاد نصف ذلك . غير أنه لم يكن بالعمل السهل ، كتب “أمين الريحاني ” ، و الذي آتى الى حي سوريا الصغيرة عام 1888 بعمر الثانية عشر ، و عن مزايا عمل المتجوّل في قصة سيرته الذاتية . كما أشار كتاب خليد ، قائلا :”إننا نرتحل و نجي المال ؛ مواطنونا كانوا أو تجّارا ، لتصدأ نقودهم بأقبيتهم و يفقدونها في الأخير”.

قدم “خالد السكاكيني” الى نيويورك عام 1907 ، و الذي كتب بمذكّراته عن تلك ظاهرة التحرك بأقصى سرعة فقط ليبقى المرء في المكان نفسه ، قائلا :”الأمريكي يمشي سريعا ، و يتحدث سريعا و يأكل سريعا ، …و حتى أن المرء قد يغادر المطعم و القضمة لا تزال بفمه”.

و مع ذلك ، لم تكن وتيرة الحياة بشارع واشنطن جميعها بوقت مزدوج ، فالمطعم الذي إمتلكه رجلا اسمه “أرتا” – و الذي لم يكن يتحدث الإنجليزية ، من وصفته التايمز “صاحب الطربوش” لكن كانت جميع ملابسه الأخرى أمريكية – أصبح مقها خلال ساعات المساء أيضا ؛ حيث عجّ هوائه بطقطقات الدومينو التي كانت تُلعب بشدة على الطاولة ، و الروائح الخفيفة لدخان الأراجيل و أريج أطباق الكبّة والباذنجان باللبن – “اللذيذة و الخفيفة ، فهي لم تكن فرنسية الأصل و لا ألمانية –  كانت تباع بعشرة سنتات مقابل كل طبق منها .

كان هكذا الإعداد أيضا بالنسبة الى “آنا آسيندز” ؛ و هي مسرحية برودواي عام 1919 ، أنتجت لاحقا فيلما صامتا من تأليف “فيكتور فلمينغ” و المعروف باسم مخرج فيلم “ذهب مع الريح” و “ساحر أوز”. تدور الحبكة حول شخصية “آنا” ؛ و هي فتاة سورية تعمل في مقهى تجهل هي أنه واجهة لعصابة من اللصوص ، لتجد بالأخير زوجا أمريكيا و تنصهر بسعادة في الثقافة الأمريكية . يبدأ المشهد الأول بآنا و هي منشغلة بترتيب أكاليل الثوم و علب زيت الزيتون ، كانت علامات جليّة لمهاجرة مشرقية .فليس بعيدا عن المكان الذي ربما تكون آنا قد قدّمت القهوة فيه ، كانت  تقع هناك كنيسة سانت جوزريف المارونية و التي تأسست عام 1891 ؛ و هي إبراشية العديد من المسيحيين السوريين المقيمين بالحيّ .

يصف إعلان الزواج بصحيفة التايمز من عام 1897 ، حفل زفاف “ميريام عازار” ، و القادمة من “يافا” فلسطين الى “توما إليا” . يصف المقال توّاقاً لسحر المشرق العروس المخفية “بطرحة غريبة التطريز” ، بينما كان طفل رضيع في الكنيسة يبكي عاليا “من المحتمل أنه كان باللغة العربية الفصحى” .

عندما غادر العرب الحيّ ، هُجرت كنيسة القديس جوزيف أيضا ؛ ليتمّ بيعها و هدمها عام 1984 . ذهبت الكثير من أبنيتها الى مواقع البناء الجديدة بالقرب من مركز التجارة العالمي . يتذكّر الأسقف “ستيفن هيكتور الدويهي” أنه تلقى مكالمة بأكتوبر عام 2002 ، حين كان يترأس منصب الأسقف بكاتدرائية سيدة لبنان المارونية في مرتفعات بروكلين ، لقد تمّ إكتشاف حجر الأساس المكسور ، مع ثلاث كلمات بنقوشها تشير الى أصلها الماروني ، كُشفت الى السطح بواسطة جرّافة تقوم بتسوية الأرضية . هل سيهتم أسقف الكاتدرائية بعرضها يا ترى؟ ؛ “لقد كانت مفاجأة كبيرة و شرف عظيم لنا” ، متذكّرا الأسقف . “كنّا نعلم أنه كان لدينا كنيسة متواضعة بالقرب من موقع مركز التجارة العالمي ، غير أنه تمّ هدمها منذ فترة طويلة مضت . ثم فجأة نسمع أن حجر أساسها اللآتيني ، و الذي قد تمّ بالفعل نقله عدة مرات تماما كما تمّ نقل القديس جوزيف على مرّ السنين ، لقد عُثر عليه …كان الأمر حقّا كحال آباء العديد من أبناء أبرشيتنا – منتقلين من مكان لآخر”.

حدثت نتيجة سعيدة ليس ببعيدة عن عنوان القديس جوزيف الأخير الكامنبرقم 137 في شارع سيدار ؛ حيث قامت أبرشية سانت جوزيف السورية و التي تأسست عام 1889 ، بالبناء بنفسها كنيسة قوطية جديدة في 103 شارع واشنطن ، عام 1925؛ و ذلك بتوسيع مبناكان بنسيونا قبلا مع مطعما عربيا و مكتب إقراض للمهاجرين الجدّد ، و أيضا “أش أند جي حمصي” ، و هي اسم لعائلة آتت من “حمص” بسوريا – كانت مصنعا للألبسة.

صمّم المهندس “هارفي فارس كساب” ، و الذي تلقى تعليمه ببيروت ، واجهة جديدة من التراكوتا2 أو الطين النضج . بعد مراجعة استمرت ستة سنوات ، منحت لجنة معالم نيويورك لمبنى الكنيسة و الذي هو الآن تحت استخدامات مختلفة ، الحماية القانونية الكاملة عام 2009 .

إستقرّ “أنطوان” البالغ من العمر العشرون ربيعا و سليل “طانيوس سعد الله” الذي قدم الى أمريكا من قرية “بسكنتا” عام 1891 ليعود بسرعة و يجلب عائلته ، في حي سوريا الصغيرة لفتح شركة لإستيراد الحرير . يقول أنطوان وهو يقود جولة سير على الأقدام بشارع واشنطن :”نشأت بمنطقة كوينز ، و لم أكن أعرف شيئا عن الجانب اللبناني للزمن الأول لعائلتي” . ليضيف :”عندما وجدت السجلاّت التجارية القديمة المكتوبة بالعربية بمنزل جدّتي ، رغبت بمعرفة المزيد و الذي قادني الى هنا”.

لا توجد الكثير من الهندسة المعمارية الأصلية لحي سوريا الصغيرة ليتولى أنطوان الإشارة إليها . يبرز فندقا جديدا على جانب واحد من كنيسة سانت جوزيف ؛ فهناك منزل مجمّع تمّ بناؤه من قبل جمعية خيرية عام 1925 ، و مبنى سكني قديم هما يتعرّضان الآن لخطر هدمهما على الآخر . تسعى منظمة أنطوان “أنقذوا شارع واشنطن” الى الحفاظ على منزل المجمّع ، و الذي كان بمثابة مدرسة لتعليم الكبار و عيادة للمهاجرين الجدّد . هندسته الخارجية هي مزيج من الأنماط الأمريكية سميّت بإحياء التراث الإستعماري ، رمزت الى التكيّف الثقافي الذي كان يحصل داخل حصص فصول اللغة الإنجليزية و الجنسية .

وصف الصحفي “كونراد بيركوفتشي” حي سوريا الصغيرة في كتابه “حول العالم بنيويورك” بأوائل عام 1920 ، و هو دراسة لجميع مجتمعات المدينة المهاجرة ، فكتب :”الهبوط فوق حي سوريا الصغيرة يشبه سفر الأحلام”. لقد بدا كل شيء غريبا بالنسبة الى بيركوفتشي ، و هو نفسه مهاجرا من رومانيا – كان بمقاهيها ، محلات المجوهرات ، تجّار السجّاد و حتى الجذور و الفواكه المجفّفة للبيع ، بجميع الأنواع التي لا يعرف أحدا أين تنمو و ما الفائدة منها”.

كتب عن مباني الشقق المزدحمة على أنها كانت مبان مزدهرة “التي إمتلكها المواطنون الهولنديون الصالحون ، قبل مائة عام” ، بالنسبة للسوريين ، فقد لمّح أنهم لم يكونوا سوى “خيمة مؤقتة”. و كالعادة و كجميع الغرباء الذين ينظرون إليها من الداخل ، فهو يربك عقيدتهم . فقد ذكّره كل شيء هناك “بالموضة المسلمة” – الجلوس على الأرض ، و قواعد اللباس ، و حتى أثناء الصلاة المسيحية بكنيسة سانت جوزيف المارونية .

قدّم “لوسيوس هوبكينز ميلر” ، و هو بروفيسور الدين بجامعة برينستون و الذي درس بالشام لثلاث سنوات ، المسحالإستقصائي الموضوعي الوحيد عن حي سوريا الصغيرة .أحصى من بين 454 أسرة في عام 1904 ، عائلة مسلمة واحدة فقط متكونة من شخصين ، كما وجد أيضا أن الرجال و النساء يتشاركون بشكل متساو تقريبا في عمل البيع بالتجوال ، كما هو الحال بالنسبة لأعمال مصنعه ، بينما كان عدد الرجال يزيد عن عدد النساء اللآئي يعملن خلف عدّدات المتاجر ، فاق عدد النساء عدد الرجال بكثير بوظائف الخياطة المنزلية .

تمكّن ميلر بسبب طلاقته في اللغة العربية و إلمامه بالمجتمعات المحلية للمهاجرين ، من الحصول على رؤية فريدة من الداخل ، في حين أن المصلح الإجتماعي “يعقوب ريس” إنتقد حالة مساكنهم ، إتّفق ميلر مع مفتش المسكن البلدي على أن العرب قد حافظوا على معايير نظافة أعلى من المجموعات العرقية الأخرى . لكن حتى ميلر نفسه أيضا لم يكن خاليا من الإنحياز تماما ، لقد قال إن وظيفة البائع المتجوّل قد “شجّعت على المبالغة و الحيلة” ؛ لقد فضّل الوظائف في مصانع التبغ التركية بالحيّ ، أو في المصانع أين تصنع المرايا ، حمّالات البناطيل أو معاطف النساء .

لربما كان بيركوفتشي متكلّفا بعض الشيء عند وصفه مقهى حي سوريا الصغيرة ، و البازارات و قاعات الرقص الشرقي ومكاتب الصرّافة و صحفهم الخاصة بهم …” . كما صنّف سكانه بأنهم “شعب من نسل مختلف ، من حضارة قديمة التي كانت على الدوام نافرة من حضارة العصر الجديد ، إنها تقطّر بعضا من الصبغة الملونة على حياتنا الحديثة الرمادية المضجرة” .

لايزال حيّسوريا الصغيرة لحد اليوم قائما ، و تحت ظل مركز التجارة العالمي الصاعد حديثا ، يتحدّث بوضوح الى أولئك الذين لديهم الوقت للإستماع . يقول “كارل أنطون”و هو حفيد أولئك المنحدرين من أحد سكانه الأوائل :”إنّ هذا المكان مثل درس التاريخ بالنسبة لي ،فما يزال هناك الكثير لنتعلمه هنا”.

—————–

  1. “نكلة” : عملة أمريكية من خمسة سنتات .
  2. “التراكوتا أو الطين النضج” : طين غير مطلي ، عادة ما يكون أحمرا بني اللون ، يستخدم بشكل رئيسي كمواد بناء للزينة و النمذجة .

*تنويه من المترجم : أشكر بإمتنان السيد “ورنر” على موافقته و بكل سرور ، بترجمة و نشر مقاله .

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم