أراء وتحاليلالجزائرالرئيسيةسلايدر

دراسة: التحديات الإستراتيجية للدول المصدرة والدول المستقبلة للمهاجرين

*من الهجرة الطوعية إلى الهجرة القسرية ومن الحدود المفتوحة إلى الهجرة الإنتقائية

 أ.د محمد لعقاب

أستاذ التعليم العالي كلية علوم الإعلام والاتصال

جامعة الجزائر 3

مقدمة

لا يكاد يوجد مكان أو منطقة أو بلد في العالم  لم يتأثر بظاهرة الهجرة وتداعياتها مهما كان نوعهاـ فبعض الدول مثلا تدين في وجودها للهجرة كالولايات المتحدة وأستراليا وكندا. ويقدر بعض المختصين أن هناك أكثر من 190 مليون مهاجر في العالم، ما يمثل نسبته 1 إلى 35 شخص، أي نحو 4 بالمئة من سكان العالم مهاجرون، لكن هذه الهجرة تتم في الغالب من الجنوب نحو الشمال بمجموع 61 مليون، ومن الجنوب نحو الجنوب بمجموع 61 مليون أما من الشمال نحو الجنوب فلا تتعدى 14 مليون. ويقدر عدد العرب المهاجرين عبر العالم بما بين 15 – 20 مليون مهاجر. لذلك قال المدير العام لمنظمة الهجرة الدولية :” إن القرن الـ 21 سيكون قرن الهجرة”. وقد شكلت الهجرة لكثير من البلدان ما يمكن تسميته “رأسمال إنساني أو بشري” لا تقل قيمته عن الرأسمال المادي أو الذهني في الوقت الراهن.

ولم تعد قضايا الهجرة ومشكلاتها مقصورة على المستوى الوطني أو الإقليمي بل أصبحت تناقش على مستوى دولي وحتى في إطار الأمم المتحدة. ولأن هناك مصالح وتداعيات مشتركة بين الدول المصدرة والمستقبلة للهجرة،ـ فإن هذا الموضوع يشكل أحد أهم القضايا المطروحة في الحوار بين دول الشمال ودول الجنوب. وبعد أحداث 11 سبتمبر برزت قضايا جديدة للهجرة مثل الربط بين المهاجرين العرب والمسلمين وقضايا الإرهاب، وما نجم عنه من فرض قيود على الهجرة من الدول العربية والإسلامية بصفة عامة تجاه دول الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مما أدى إلى تزايد الهجرة غير الشرعية. وبعد أحداث الربيع العربي تفاقمت الهجرة غير القانونية كما تفاقمت الهجرة القسرية وكلاهما نوع من هجرة الأزمات.

وإذا كانت للهجرة بعض الإيجابيات مثل التحويل المالي للدول المصدرة، فإن لها عدة سلبيات خاصة عندما يتعلق الأمر بهجرة الأدمغة والهجرة القسرية وغير القانونية.

 

أولا: دوافع الهجرة الطوعية

رصد المختصون في علم السكان العديد من دوافع الهجرة الطوعية، من -كما يسميه البعض- دول المركز المستقطبة ودول الأطراف المصدرة. ويمكن تلخيص أهمها كما يلي:

1 – رغبة الأشخاص في الهجرة طواعية لتحسين ظروفهم الإقتصادية والإجتماعية

2 – وجود تبيان بين منطقة الأجور المرتفعة في الشمال ومنطقة الأجور المنخفضة في الجنوب، وهو ما يحفز على الهجرة من الجنوب للشمال.

 

3 – ارتفاع البطالة في الدول المصدرة للهجرة: حيث تسجل دول الجنوب حاليا أكبر الدول المنتجة للسكان النشيطين في العالم، حيث ترتفع الشريحة النشيطة بـ 3.7 مليون سنويا، منهم 1.4 مليون في تركيا، ومصر، وهذا يعني أن هناك نحو 55 مليون شخص محروم من العمل بين 2005 و2020، وسيقدر عدد المحرومين من الشغل بـ 24 مليون شخصا ما بين 2020 و2030. هذه الوضعية تدفع نحو مزيد من الهجرة باتجاه دول الشمال.

 

4 – البحث عن عمل ومكانة اجتماعية لتغيير الوضع الطبقي للمهاجر.

5 – ازدياد الفقر: فحسب تقرير معهد الإستشراف الإقتصادي لدول المتوسط بحلول 2030 الصادر في باريس عام 2009 فإن الفقر في جنوب المتوسط يعتبر سببا رئيسيا للهجرة، خاصة الفقر في الوسط الريفي حيث يعيش 70 بالمئة من الفقراء الذين يفتقرون للخدمات الأساسية.

ويتوقع التقرير أن الفقر سيستمر في الوسط الريفي خلال الـ 15 سنة القادمة بمعنى بحلول 2025 ما يؤدي إلى النزوح، ما يعني أن الفقر في الوسط الحضري سيزداد بحلول عام 2025 في ضواحي المدن الكبيرة وسوف يصبح 1/3 الفقراء يعيشون في المدينة حسب تقديرات البنك الدولي.

6 – الظروف الطبيعية مثل الجفاف تشكل بيئة طاردة

7 – الظروف السياسية مثل القمع السياسي وقمع الحريات

8 – الحروب الأهلية التي تشكل بيئة منفرة وباعثة للهجرة.

إذا كانت هذه هي أهم دوافع الهجرة الطوعية، فماذا يحدث إذا تزاوجت دوافعها مع الحرب وعدم الإستقرار وانسداد الأفق في وجه الحلول السياسية في كل من ليبيا وسوريا والعراق واليمن وغيرها من البلدان التي تعرف باسم بلدان الربيع العربي.؟

 

فوائد الهجرة الطوعية

1 – فرصة عمل للمهاجر لا تتوفر في وطنه

2 – تحويلات للوطن وللعائلات : قدرها البنك الدولي بـ 276 مليار دولار عام 2006 مقابل 232 مليار دولار عام 2005 ونحو  102 مليار دولار عام 1995 لكن الهند والصين والمكسيك هي التي تحتل المراتب الثلاثة الأولى.

وقدر البنك الدولي مثلا أن عائدات المصريين لمصر فاق مداخيل قناة السويس. وفاقت تحويلات المغاربة مداخيل السياحة، وفاقت تحويلات المكسيك قيمة الإستثمارات الأجنبية. وحسب البنك المركزي اللبناني فإن اللبنانيين المهاجرين يشكلون 4 أضعاف اللبنانيين المقيمين، وتقدر تحويلات المهاجرين اللبنانيين بـ 5.6 مليار دولار سنويا، وتمثل 25.8 بالمئة بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي وهي أعلى نسبة في الوطن العربي.

3 – نقل خبرة مهنية وتكنولوجية للعائدين إلى أوطانهم.

4- التقليل من ضغط سوق العمل

 

ثانيا: الهجرة القسرية ودوفعها

إن الهجرة القسرية تختلف عن الهجرة الطوعية جذريا، لأن الثانية أي الطوعية هي هجرة إرادية وعادة ما تكون رغبة فردية، أما الأولى أي القسرية فهي عبارة عن تهجير بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وعادة ما تكون جماعية، فهي إذن عبارة عن اقتلاع مجموعات بشرية من أرضها، بسبب زعزعة أمنها واستقرارها وتهديد حياتها، والدفع بها نحو الهجرة دفعا. وتسبب صراعات إقليمية ودولية.

وتمثل الهجرة القسرية للسوريين نموذج حقيقي لهجرة الأزمات، لذلك عندما نتكلم عنها، لا ينبغي أن نقتصر فقط عن بعدها الإنساني، بل يجب التطرق لأسبابها الحقيقية المتمثلة في التدخل الغربي السياسي والإقتصادي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط بما في ذلك مؤامرة الربيع العربي، وبالتالي فإن الحلول الحقيقية لهذه الأزمة يجب أن تستهدف هذا التدخل في حد ذاته، وهو الحل الإستراتيجي أما غير ذلك فلا تتعدى كونها حلول تاكتيكية ترقيعية مغلفة بغلاف إنساني.

 

دوافع الهجرة القسرية:

1 – الحروب

من أمثلة الحروب المسببة للهجرة القسرية، ما وقع للفلسطينيين عام 1948، حيث تم اقتلاعهم وتهجيرهم قسرا نحو دول جارة مثل لبنان وسوريا، وهناك اليوم مدنا كاملة للسوريين تعرف باسم “المخيمات” مثل مخيم اليرموك في دمشق، وما وقع للبنانيين نتيجة الحرب الأهلية في لبنان في السبعينيات وخلال حرب حزب الله مع إسرائيل، مثل حرب جويلية 2006 حيث قدر عدد اللبنانيين المهاجرين بمئات الآلاف. وحتى الرئيس اللبناني الجديد ميشال عون قال في خطابه بعد أداء اليمين الدستورية على أنه يعمل حتى لا يبقى حلم الرجل اللبناني يتلخص في “حقيبة سفر” أي في الهجرة.

وتعتبر الحرب التي تجري في سوريا اليوم أهم نموذج في الوقت الراهن للهجرة القسرية بسبب الحروب.

2 – نشر الديمقراطية الغربية لبناء شرق أوسط جديد – العراق نموذجا-

إن الهجرة القسرية الراهنة جاءت نتيجة لرغبة الغرب في نشر الديمقراطية الغربية بالقوة، مثلما حدث مع العراق عام 2003 عندما قررت الولايات المتحدة احتلاله بطريقة خارج الشرعية الدولية بحجة تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية.

وإلى يومنا هذا انسحبت أمريكا من العراق بدون أن تبني دولة ديمقراطية تكون نموذجا لشعوب المنطقة كما وعدت إدارة الرئيس جورج بوش، بل مقابل ذلك تم تدمير العراق كلية في بنيته الإقتصادية والإجتماعية، فظهرت الطائفية وأصبح عرضة للتدخلات الأجنبية وانتشار الجماعات الإرهابية، والنتيجة تعززت:

 

أ – الهجرة الداخلية اي النزوج

ب – الهجرة الخارجية

ج – تغيير التركيبة الديمغرافية لبعض المدن بين الشيعة والسنة والأكراد والعرب والتركمان وغيرها.

وتقدر بعض الإحصائيات نحو 4 مليون عراقي مهاجر، نتيجة حرب الإحتلال الأمريكية، وعدم الإستقرار، والعنف والإرهاب والتصفيات المذهبية والطائفية. وقد كان العراق قبل الإحتلال الأمريكي لوحده يستقطب نحو 4 مليون مهاجر عربي، عادوا إلى أوطانهم ليشكلوا ضعوطات جديدة على حكوماتهم، لكن بعد الإحتلال هاجر من العراق نحو 4 ملايين عراقي، ليصبح المجموع 8 ملايين شخص بين مهجر ونازح ولاجئ.

 

3 – أحداث ما يسمى الربيع العربي – سوريا وليبيا نموذجا-

 

تمثل سوريا وليبيا نموذجا دقيقا لتدفقات الهجرة القسرية،بسبب ما يسمى الربيع العربي، حيث شاهد العالم أجمع وعلى شاشات التلفزيونات العالمية كيف فر السوريون جماعات جماعات عبر القوارب نحو أوروبا، وكيف تم تهجير الآلاف من حلب السورية.

إن “أحداث الربيع العربي” أحدثت تغييرات معتبرة، وسوف تؤدي إلى تغييرات كبيرة في المستقبل في المنطقة العربية، فالهزات السياسية والإجتماعية التي تعرض لها الوطن العربي ستؤدي إلى تغيرات سياسية على المدى البعيد، الأمر الذي ينعكس على الهجرة ويؤثر عليها تأثيرا شاملا سواء من حيث حركة التنقل، أو مفهوم الهجرة بالنسبة للدول والرأي العام، وكذلك على سياسات الهجرة في الدول المستقبلة في كل ما يخص المهاجرين.

جاء في دراسة لمركز سياسة الهجرة التابع لمعهد الجامعة الأوروبية فلورانس ومقره ايطاليا لعام 2012 بعنوان “الهجرة بعد الربيع العربي” تم إنجازها بهدف مساعدة الدول الأوروبية بالوسائل الكفيلة التي تمكنها من التحكم في تحديات الهجرة، أن “الهجرة تشكل في الوقت ذاته فرصة وتحدي، حيث يؤدي التسيير الجيد لها إلى نتائج جيدة للدول المصدرة والدول المستقبلة معا، أما التسيير السيّء فقد يعرض الإنسجام والأمن والسيادة القومية  )الأوروبية طبعا ( للخطر”.

وتطرقت الدراسة لواقع الهجرة قبل وبعد الربيع العربي، وخلصت إلى أن الهجرة تأثرت بعمق بعدم الإستقرار والعنف الجاري خصوصا في ليبيا وسوريا. ويؤكد التقرير أنه حتى 2012 فإنه من بين أكثر من مليون شخص فروا من ليبيا بعد سقوط نظام القذافي، لم يصل منهم إلى أوروبا سوى 25 ألف شخص، ومن نحو 100 ألف فروا من سوريا، لم يصل منهم إلى أوروبا سوى بضعة مئات. ويؤكد التقرير أن الجزء الأكبر من العبء تحملته الدول العربية المجاورة وتركيا والمجتمع المدني والسكان. وتعتبر أزمة النازحين السوريين من أخطر الأزمات الإنسانية منذ كوارث الحرب العالمية الثانية حيث:

–         تجاوز عدد النازحين داخل الأراضي السورية 8 ملايين

–         وتجاوز عدد اللاجئين بدول الجوار 4 مليون لاجئ

يتوزعون على عدة دول منها: تركيا التي تضم نحو 1.9 مليون لاجئ، ولبنان 1.1 مليون، والأٍردن بواقع 629.2 ألف والعراق بنحو 249.5 ألف، ومصر بنحو 133.4 ألف.

وتعتبر القارة الأوروبية أحد المقاصد الصعبة التي أثارت جدلا كبيرا منذ عرض تلفزيونات العالم صورة كردي محمد الذي لفظته الأمواج ميتا في شواطي تركيا. وحسب المفوضية الأمم المتحدة للآجئين فقد وصل منهم إلى أوروبا خلال فترة أفريل 2011 وأوت 2015 نحو 441.25 ألف، وهي نسبة لا تتعدى 10 بالمئة مقارنة بدول الجوار.

 

4 – تغيير المحيط الجيو-استراتيجي لإسرائيل

لم يعد خافيا أن الدول الغربية بصفة عامة لديها رغبة في تغيير المحيط العدائي إسرائيل بمحيط أقل عدائية، وبعد فشل اتفاق أوسلو الموقع عام 1993 بين حركة فتح وإسرائيل في تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل رغم فتح سفارات لبعض الدول وقنصليات للبعض الآخر ومكاتب تجارية في دول أخرى، فإن تقرر أن يتم تغيير الجوار العدائي بالقوة العسكرية، وذلك بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تنفيذا لوثيقة تم إعدادها عام 1996، ومن بين الشخصيات التي شاركت في إعدادها رجال الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن الذين وصولوا معه إلى إدارة الولايات المتحدة. وتنص الوثيقة على استهداف العراق ثم سوريا. لتغيير المحيط الجيو- إستراتيجي لإسرائيل.

وأصبح واضحا كيف لعبت فكرة تغيير المحيط الإستراتيجي لإسرائيل دورا في تحطيم العراق وتحويله من بلد مستقبل إلى مصدر للهجرة، وكذلك حدث لسوريا. وقد تسببت الأزمة العراقية والسورية لوحدهما في أزيد من 20 مليون لاجئ وملايين آخرين من النازحين.

ثالثا: الهجرة من الدول العربية قبل وخلال الربيع العربي

إن الهجرة من البلدان العربية المتوسطية ( المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، فلسطين، لبنان، سوريا، والأردن) بدأت منذ 4 أو 5 عقود سابقة، وكانت المنطقة مصدر لنحو 8 مليون مهاجر من الجيل الأول: 62 بالمئة منهم يعيشون في دول الإتحاد الأوروبي، 27 بالمئة يعيشون في بعض البلدان العربية (20 بالمئة في دول الخليج) و11 بالمئة في باقي دول العالم. وهكذا كانت هذه الدول مصدرة للهجرة بمعدل يفوق 2 بالمئة من سكان سوريا و12 بالمئة من سكان لبنان  مقارنة بالمعدل العالمي وهو 3 بالمئة. بينما ليبيا التي كانت مستقبل للمهاجرين من مختلف الدول لم يكن عدد المهاجرين منها يتجـــــاوز 1 بالمئة من سكانها.

لكن بعد بداية الربيع العربي 2010 – 2011 ارتفع عدد المهاجرين نحو الدول الأوروبية بنحو 42 بالمئة ( أي ما بين 3.5 إلى 5 مليون مهاجر). ففي تناقض مع فكرة أن الهجرة أصبحت معولمة فإن نسبة 91 بالمئة اتجهت لأوروبا، وخاصة باتجاه البلدان الأوروبية الثلاثة الجارة للدول العربية : إسبانيا، إيطاليا وفرنسا. ولكن فئة قليلة من المهرة منهم تمكنت من الحصول على عمل.

رابعا: الهجرة غير القانونية من البلدان العربية إلى البلدان الأوروبية وتأثرها بالربيع العربي

1 – الهجرة غير القانونية ودوافعها

إن الهجرة غير القانونية هي عكس الهجرة النظامية، ويمكن اعتبارها شكل من أشكال الهجرة القسرية أو هجرة الأزمات حتى لو بدت كأنها طوعية، فعندما تصبح الهجرة غير القانونية عبر قوارب صغيرة عن طريق البحار فإنها تصبح قسرية لأنها وليدة الأزمة.

لقد أصبحت الهجرة غير القانونية شكلا من أشكال الجريمة المنظمة، حيث تكونت عصابات دولية تعمل أساسا على الإتجار بالبشر باستخدام جوازات سفر مزورة وتأشيرات الدخول وعقود العمل لنقل المهاجرين. وقدرت عائدات الهجرة غير القانونية بنحو 12 مليار أورو سنويا. تذهب إلى عصابات الإتجار بالبشر، وتخلف الهجرة غير القانونية نحو 8 آلاف إلى 10 آلاف ضحية سنويا بالبحر الأبيض المتوسط.

2 – أسباب الهجرة غير القانونية

للهجرة غير القانونية العديد من الأسباب تتداخل بعضها مع أسباب الهجرة الطوعية، ويمكن تلخيصها فيما يلي:

أ – بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 اضطرت الدول الغربية إلى التضييق على الهجرة القانونية خاصة عل العرب والمسلمين بسبب الربط بين الإرهاب والعرب والمسلمين، الأمر الذي غذي أكثر فأكثر الهجرة غير القانونية.

كما تم التوجه نحو اعتماد الهجرة الإنتقائية، وذلك رغم حاجة أوروبا للهجرة، ففرض الغرب قيودا على المهاجرين خاصة العرب والمسلمين، وسن قوانين تحد من الهجرة العامة وتقتصر فقط على الهجرة الإنتقائية، ركزت على استقطاب الشباب والعقول الذين أنفقت عليهم دولهم الأصلية الملايين بهدف انتاجهم، والعمالة الماهرة التي أنفقت عليها أيضا بلدانها الملايين لتكوينها أو لتمكينها من اكتساب الخبرات والمؤهلات.

ب – وبالمقابل أصبحت قوانين الهجرة القانونية أكثر تشددا، حيث أصبحت بعضها تشترط “المستوى الثقافي واتقان لغة البلد المستقبل ومعرفة تاريخه .. الأمر الذي دفع أكثر نحو الهجرة غير القانونية.

ج – التدخل الأجنبي وخلخلة الإستقرار السياسي والإجتماعي في المنطقة العربية خاصة منذ عام 2003 تاريخ احتلال العراق ثم الإنسحاب بدون إعادة الأمن والإستقرار. أدى إلى الهجرة القسرية وغير القانونية وإلى هجرة رؤوس الأموال وأصبحت أرضا خصبة للتطرف.

د – تنامي النزعة المعادية للأجانب في أوروبا يقودها اليمين المتطرف، صاحبتها سياسات حكومية تقيد الهجرة القانونية، فزادت بالمقابل الهجرة غير القانونية.

ه – تعاني دول الجنوب من بينها دول شمال إفريقيا ولو بدرجات متفاوتة معدلات النمو السكاني تتجاوز معدلات النمو الإقتصادي، الذي يعاني من تزايد سنوي للداخلين سوق الشغل فأصبحت البطالة تمثل ضغطا على الحكومات. فأصبحت سوق العمل الخارجية بمثابة تخفيف للحكومات والمجتمع.

و – إن العمال القادمون من الجنوب بطريقة غير قانونية يقبلون العمل بأجور منخفضة في السوق السوداء ويصبحون أكثر فائدة بالنسبة لصاحب العمل. وهذا ما يفسر استمرار تدفق الهجرة غير القانونية رغم كل التضييقات.

ي – قلة فرص العمل في الجنوب وضعف الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة دفع إلى الهجرة ولو بطريقة غير قانونية. ولم تفلح في الحد من الحرقة والموت في البحر لا القوانين ولا التدابير الأمنية ولا حتى الفتاوى.

ورغم كل التضييقات تشير بعض التقديرات أنه نحو 500 ألف مهاجر غير قانوني يدخل أوروبا سنويا عن طريق عصابات الإتجار بالبشر. وقد ضغطت أوروبا على دول الجنوب لكي تقوم بدور الشرطي الذي يحول دون تدفق المهاجرين غير القانونيين لكنها لم تفلح.

3 – تأثر الهجرة غير القانونية بالربيع العربي

إن الدول العربية لا تقدم إحصائيات دقيقة حول عدد المهاجرين أو اللاجئين، كما أن 4 دول فقط من الإتحاد الأوروبي تقدم إحصائيات سنوية حول المهاجرين القانونيين حسب جنسية كل مهاجر، فحتى 1 جانفي 2012 تشير احصائيات ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة إلى تزايد عدد المهاجرين خلال عام 2011 من الدول التالية: المغرب، الجزائر، تونس، مصر، لبنان، وسوريا. وعندما نلقي نظرة على السنوات الخمسة السابقة لعام 2011 لا نسجل أي دلالة، حيث كان المجموع السنوي للمهاجرين عام 2009 يقدر بـ 111.738 مهاجر، وقدر في عام 2010 بـ  67.214 مهاجر ، بينما قدر في 2011 بنحو 90.839. والأكثر من ذلك أن 72 بالمئة من هذا النمو في الهجرة عام 2011 جاء من تدفق المهاجرين من المغرب وحده، – وهو ليس دولة من دول الربيع العربي.- بينما تعتبر الهجرة من مصر هي الأكثر ارتفاعا ما بين 2007 و2011 بنسبة 19 بالمئة في ألمانيا، و22 بالمئة في المملكة المتحدة، و45 بالمئة في إسبانيا و58 بالمئة في إيطاليا.

وهذا يعني أن السنوات الأولى للربيع العربي لم تحمل أي تغيير في توجهات الهجرة القانونية من الدول العربية الستة المذكورة  باتجاه أوروبا.

لكن السؤال المطروح هو: هل أثر الربيع العربي على الهجرة غير القانونية باتجاه أوروبا؟ الجواب نعم. فبمجرد بداية الربيع العربي حدثت أزمة الهجرة غير القانونية الأولى باعتبارها هجرة أزمة، حيث أصبحت تونس وليبيا منطقة انطلاق لقوارب الهجرة غير القانونية باتجاه إيطاليا. فبين جانفي وسبتمبر 2011 دخل نحو 42.807 بطريقة غير قانونية لإيطاليا عن طريق البحر عبر جزيرة لامبيدوزا lampedusa التي لا يتعدى عدد سكانها 4500 ساكن. بينما قدر عدد المهاجرين بطريقة غير قانونية خلال عام 2010 بأقل من 5 آلاف وبأقل من 10 آلاف عام 2009.

ويقول التقرير الأوروبي أنه لتشخيص الوضع بشكل جيد نسجل ثلاث ملاحظات:

1 – معظم الهجرة غير القانونية حدثت في خضم الربيع العربي عام 2011 بسبب عدم تنظيم قوات الأمن وحراس السواحل لم تكن موجودة في تونس.

2 – إن كثيرا من غير التونسيين – 18.451 أي 47 بالمئة من المجموع- بمن فيهم 17.342 تم تهجيرهم نحو إيطاليا مع التونسيين عام 2011.

3 – إن الهجرة غير القانونية لإيطاليا عرفت ذروتها في عام 2011 ، بينما لم تكن كذلك في ثلاث دول مجتمعة هي مالطا وإسبانيا وإيطاليا قبل الربيع العربي أي سنوات 1999 – 2006- 2008.

في ربيع وصيف 2011 فر نحو 1.128.985 شخص من الحرب التي كانت تمزق ليبيا نحو تونس ومصر والنيجر وتشاد والسودان وكذلك نحو مالطا وايطاليا.

أما أزمة اللاجئين الثانية فحدثت في سوريا  صيف 2011 وخلال 2012 نتيجة للربيع العربي، حيث بلغ عددهم شهر يونيو 2012 حوالي 115.117، توجه معظمهم للدول المجاورة ما عدا إسرائيل.

لكن خلال فترة أكتوبر – ديسمبر 2011 تم ضبط 578 سوري يحاول الدخول نحو أوروبا مقارنة بـ 210 فقط خلال نفس الفترة من عام 2010. منهم 82 بالمئة حاولوا الدخول عبر اليونان.

 

خامسا تحديات الهجرة على الدول العربية بعد الربيع العربي

 1 – من دول مستقبلة للهجرة إلى دول مصدرة – تأثير استراتيجي-

إن دول حوض المتوسط العربية كان ينظر إليها قبل الربيع العربي على أنها غنية وآمنة وتستطيع استقبال المهاجرين من القارة الإفريقية التي تعاني من سوء التنمية وممزقة من قبل الصراعات الأهلية والعسكرية. فقبل الربيع العربي كانت تأوي ما معدله 4.5 مليون مهاجر من الجيل الأول، منهم 2/3 مهاجر غير شرعي.

– لقد كانت ليبيا اكبر بلد مستقبل للهجرة في المنطقة لكن بسبب العقوبات الدولية التي فرضت عليها، أو بسبب تأرجح أسعار النفط، فإن عدد المهاجرين فيها ظل غير مستقرا، وأحيانا يتعرضون للتهجير من طرف السلطات.

– كذلك كانت سوريا والأردن من بين أكبر الدول المستقبلة لعدد كبير من المهاجرين العراقيين منذ حرب 2003.

– وكانت لبنان بدورها تستقبل عدد صغير من المهاجرين العراقيين، وكذلك أعدادا كبيرة من المهاجرين الفلسطينيين.

– وكانت مصر تستقبل مهاجرين من السودان والقرن الافريقي.

لكن بعد بداية الربيع العربي أصبحت هذه الدول مصدرة للهجرة. حتى الجزائر والمغرب وتونس أصبحت بعد الربيع العربي من الدول المستقبلة للهجرة من دول الساحل ومن دول عربية أخرى.

ومن الصعب على الدول العربية التي تعاني أصلا من مشاكل الفقر والبطالة ونقص التنمية ومشاكل السكن والتعليم أن تتحمل أعباء إضافيا بمزيد من آلاف المهاجرين.

 

2 – التأثير الإقتصادي

إن الربيع العربي لم يؤثر على الهجرة وعدم استقرار المنطقة فقط، بل على الجوانب الإقتصادية أيضا. حيث تأثر مثلا انتاج النفط في ليبيا، وتأثرت السياحة في مصر وتونس.

3 – التأثير السياسي

إن الهجرة الحالية مؤثرة أيضا سياسيا، فالمهاجرون نحو أوروبا ملزمون بالإندماج وتقبل العلمانية، وفي حالة العكس يصبحون مشكل للدول المستقبلة، وفي حالة الإيجاب يصبحون مشكل للدول المصدرة. وكذلك المهاجرون نحو دول الخليج بينت الدراسة أنهم يتأثرون بالوهابية ويصبحون مشكلا في الدول المصدرة للهجرة. فضلا عن ذلك هناك تأثير سياسي على دول الجوار، فلبنان في حد ذاتها منقسمة بين مؤيد ومعارض لنظام الأسد.

كذلك تحدث تغيير ديمغرافية بعض المناطق بما يشكل مخاطر أمنية جديدة وتغييرات استراتيجية في العلاقات الدولية. كحالة العراق وسوريا وإشكالية تغيير التركيبة الطائفية للمدن.

تأثيرات أخرى – اجتماعية وثقافية-

– إفراغ البلدان من سكانها خاصة الشباب الذين لديهم القدرة على تحمل مشاق الهجرة.

– استنزاف الكفاءات العلمية والفنية، وتزايدت المنافسة الدولية على استقطاب المزيد من العقول من دول الجنوب، وقد قدرت الجامعة العربية في تقرير صدر عام 2001 أن حجم خسائر الدول العربية من هجرة الكفاءات يقدر بنحو 200 مليار دولار، وأن 450 ألف عربي من حاملي الشهادات العليا استفادت منه الدول الغربية.

ويعتبر هذا بمثابة دعم غير مباشر للدول الغربية من قبل الدول المصدرة للكفاءات، وهي تحقق خسارة صافية لها، لأن دولها أنفقت عليها مبالغ ضخمة في التعليم والتكوين والتأهيل، كما أن فقدان هذه العقول يحرم الدول المصدرة من تحقيق قاعدة عملية وتكنولوجيا في أوطانها.

– حرمان الدول المصدر للهجرة من طاقات بشرية من شأنها دفع عجلة الاقتصاد فيها

– خلق مشاكل اجتماعية وعائلية – تفكيك العائلات ووجود أفراد لا يجدون من يعولهم ويتكفل بهم خاصة في الهجرات القسرية.

سادسا:  سياسة أوروبا تجاه الهجرة في فترة الربيع العربي

في بداية الأحداث كانت دول أوروبا تنظر للربيع العربي على أنه الفرصة السياسية الوحيدة للشعوب العربية ولمنطقة المتوسط وكذلك للعلاقات الأوروبية المتعددة مع الدول العربية. وعلى خلفيته، غيرت دول الإتحاد الأوروبي نظرتها من التنمية إلى ترقية الديمقراطية، وانتهجت عدة سياسات للتعامل مع الهجرة.

 

1 – من التنمية إلى ترقية الديمقراطية

بعد أقل من شهرين من هروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي قررت اللجنة الأوروبية في بيان لها بعنوان ” الشراكة من أجل الديمقراطية وتقاسم الرفاهية مع بلدان جنوب المتوسط” ربط منح مزيد من الدعم المالي مقابل الإصلاح الديمقراطي.  ما يعني أن أوروبا قررت دعم الربيع العربي تحت تسمية دعم مرحلة التحول الديمقراطي.

ولعل أهم اقتراح من قبل الإتحاد الأوروبي لتونس يتعلق بمنحها 4 مليار أورو لدعم التحول الديمقراطي بين 2011 و2013. وفي سبتمبر 2011 أعلن الإتحاد الأوروبي عن برنامج لدعم التحول الديمقراطي والتنمية المستدامة بقيمة 350 مليون اورو. وفي المغرب تم رفع الدعم للتنمية المستدامة والإصلاح الديمقراطي بنحو 20 بالمئة لتصل إلى 580.5 مليون أورو. والأكثر من ذلك تم اقتراح رفع الدعم لدول الجوار في الجنوب والشرق بـ 40 بالمئة لتصل إلى 18.1 مليار أورو. والأكثر من ذلك لعبت دول الإتحاد الأوروبي دورا سياسيا رئيسيا – وما زالت تلعبه – في الأمم المتحدة في الأزمة الليبية والسورية.

 

2 – من دعم التحول الديمقراطي إلى الحدود المغلقة

ربما كانت الدول الأوروبية تعتقد أن الديمقراطية في دول الجنوب ستحد من الهجرة لأنها ستؤدي إلى الديمقراطية، والديمقراطية ستؤدي إلى التنمية والرفاهية، غير أن الحاصل هو أن الربيع العربي ضاعف من مخاوف أوروبا من تزايد المهاجرين غير القانونيين والمهاجرين غير المرغوب فيهم، ما جعل أوروبا تركز جهودها حول تشديد المراقبة على الحدود وتضييق اتفاقيات القبول.

لقد كانت إيطاليا الأكثر عرضة لموجة المهاجرين غير القانونيين، لذلك بتاريخ 20 فيفري 2011 بدأت تشارك في عمليات هرميس لمراقبة البحر المتوسط. وفي مارس 2011 صرح وزير داخليتها روبيرتو ماروني أن “موجات الهجرة ستضع إيطاليا على ركبتيها”، وقال وزير خارجيتها فرانكو فراتيني أن نحو 200 ألف إلى 300 ألف مهاجر سيخلقون مستقبلا من الصعب تصوره.

هذا هو الأمر الذي حذر منه الزعيم الليبي معمر القذافي عندما قال:” أن سقوط نظامي سيؤدي إلى تدفق الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين على أوروبا، ولا تجد أوروبا حينها من يستطيع وقف تدفقهم.”

لذلك وبدون أن تنتظر إيطاليا إنشاء حكومة رسمية، وفي شهر جوان 2011 وقعت اتفاق تعاون مع المجلس الوطني الإنتقالي الليبي حول تبادل المعلومات بخصوص الهجرة غير القانونية والتعاون لإعادة المهاجرين غير القانونيين إلى أوطانهم.  وفي3 أبريل 2012 تم التوقيع على مذكرة تفاهم في المجال الأمني لمحاربة الهجر غير القانونية، تنص على تدريب الشرطة الليبية ومنحها الوسائل التقنية لمراقبة الحدود، وبناء مراكز تجميع المهاجرين غير القانونيين.

وفي ذات السياق وقعت إيطاليا وتونس اتفاقا في أفريل 2011 حول التعاون لتضييق الخناق على الهجرة غير القانونية. كما تحادث رئيس الإتحاد الأوروبي حينها باروسو خلال زيارته لتونس، واقترح دعما لتونس بقيمة 140 مليون أورو للتعاون في مجال مراقبة الهجرة غير القانونية.

وبعد ذلك بدأ الإتحاد الأوروبي يمنح تأشيرات الدخول للجامعيين حيث رفع الدعم إلى 30 مليون أورو للعام الجامعي 2011-2012.

 

3 – الاتحاد الأوروبي يعرض مزيدا المال على أفريقيا مقابل منع الهجرة غير الشرعية

وفي شهر ديسمبر 2016 عرض الاتحاد الأوروبي على النيجر 610 ملايين يورو (635 مليون دولار) للحد من محاولات الهجرة من أفريقيا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط وقال إنه يسعى لعقد اتفاقات مماثلة بشأن الهجرة في المستقبل، وقال أنه وصل إلى أوروبا هذا العام والعام الماضي ما يقرب من 1.4 مليون لاجئ ومهاجر. وتعد مدينة أجاديز في النيجر وجهة لكثير من الراغبين في عبور الصحراء الكبرى للوصول إلى ليبيا ومن ثم إلى أوروبا عبر إيطاليا.

وعرض الاتحاد الأوروبي خططا مشابهة على السنغال وإثيوبيا ونيجيريا ومالي بالإضافة إلى أفغانستان والأردن ولبنان وتركيا ودول أخرى. واتفق قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 22 ديسمبر 2016 على السعي لضم مزيد من الدول الأفريقية إلى هذه الاتفاقات.

 

4 – تشجيع الدول الأعضاء على تقديم الدعم الإنساني للمهاجرين

في ذات السياق انتهجت أوروبا سياسة أخرى للتعامل مع موجات الهجرة بتشجيع الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي على تقديم المساعدة الإنسانية للاجئين واتخاذ التدابير لمنع وصول مهاجرين غير مرغوب فيهم لأوروبا خوفا من إنشاء شبكات إجرامية وإرهابية. لكن بدل تقديم المساعدات اللازمة وبالشكل اللائق بدأت الدول الأوروبية تتخوف على نفسها وعلى أمنها الداخلي.

5 – توزيع الأعباء بين دول الإتحاد الأوروبي

قرر الإتحاد الأوروبي توزيع الأعباء للتكفل باللاجئين، لكن وبنهاية 2016 ما يزال الاتحاد الأوروبي منقسما حول كيفية اقتسام عبء طالبي اللجوء الموجودين فيه بالفعلـ كما فشل في الوصول إلى اتفاق حول كيفية توزيع المهاجرين على دول الاتحاد.  وقال قادة الاتحاد الأوروبي في آخر قمة ديسمبر 2016 إن هدفهم الآن هو تجاوز الخلافات بحلول منتصف عام 2017.

ويأمل قادة الاتحاد الأوروبي في توفير مزيد من المساعدات المالية لمنظمات غير حكومية تعمل مع المهاجرين في ليبيا للمساعدة في إعادتهم من حيث أتوا.

 

6 – اتفاق الإتحاد الأوروبي مع تركيا للحد من تدفق اللاجئين بتاريخ 29 نوفمبر 2015

توصلت تركيا والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق يهدف إلى الحد من تدفق اللاجئين والمهاجرين على دول الاتحاد. وستحصل تركيا على 3.2 مليارات من الدولارات كدعم مالي لصالح اللاجئين السوريين في تركيا مقابل اتخاذ الأخيرة إجراءات تحد من تسلل المهاجرين إلى الأراضي أوروبية. كما سيتم إحياء المحادثات بشأن مسعى أنقرة للانضمام للاتحاد الأوروبي. ووصف وزير خارجية تركيا أوغلو ذلك بأنه “يوم تاريخي” في مسار العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي لحرص تركيا على الحصول على العضوية في الإتحاد الأوروبي، كما ترغب في رفع قيود على حصول الأتراك تأشيرات سفر إلى أوروبا.

 

سابعا: أسباب الهجرة نحو أوروبا

لماذا فضل اللاجئون العرب أوروبا على دول الجوار؟

في البداية لم يكن الحلم الأوروبي يراود اللاجئين السوريين لذلك توجهوا في بداية عمر الأزمة إلى دول الجوار. لكن طول أمد الصراع والتدخل الدولي العسكري ، وتعدد الأطراف الفاعلة على المسرح بين الجماعات الإرهابية وقوات النظام والقوات العسكرية الأجنبية والميليشيات الطائفية، وتعقد الأزمة وانسداد أفق الحل السياسي، وعدم حسم القوى الدولية في حل الأزمة بسبب تباين المصالح، ولد الحلم الأوروبي بحثا عن الأمن وحياة أفضل، ودفع إلى هذا الحلم العديد من العوامل أهمها:

 

1 – ضعف المساعدات الدولية للاجئين في دول الجوار

 

لقد أعلنت الأمم المتحدة أنها بحاجة لـ 4.1 مليار دولار كمساعدات عاجلة خلال عام 2015 للتعامل مع حاجيات اللاجئين السوريين. لكنها فشلت في الحصول على المبلغ المطلوب، وإلى غاية شهر سبتمبر 2016 لم تتجاوز المساعدات الدولية 33 بالمئة من المبلغ المطلوب، الأمر الذي جعل مفوضية اللاجئين تتهم بعض الدول بالتنصل من التزاماتها ووعودها السابقة.

وقد تعهدت عدة دول بتقديمها مساعدات لللاجئين السوريين بمؤتمر المانحين الثالث الذي انعقد في الكويت خلال شهر مارس 2015 تصل إلى 3.8 مليار دولار، ورغم أن المبلغ في حد ذاته يقل عن المبلغ الذي حددته الأمم المتحدة خلال ذات المؤتمر والمقدر بـ 8.5 مليار دولار، فيما بلغت قيمة التعهدات في المؤتمر الأول عام 2013 بنحو 1.5 مليار، وفي المؤتمر الثاني 2.4 مليار دولار عام 2014.

وتجدر الإشارة إلى ضعف تعهدات الدول العربية حيث تعهدت الكويت بـ 500 مليون دولار، والإمارات بـ 100 مليون دولار، والسعودية بـ 60 مليون دولار. بينما أغدقت على نظام السيسي في مصر بأكثر من 12 مليار دولار.

ومع ذلك فإن هناك شكوك في احتمال عدم الإلتزام بها، وهو ما أدى إلى تدني مستوى الخدمات، حيث أقدم برنامج الغذاء العالمي إلى خفض المساعدات المقدمة لهم، مؤكد أنه بحاجة لمبلغ 26 مليون دولار أسبوعيا لتغطية الحاجات الغذائية الأساسية. لللاجئين السوريين. ففي الأردن وخلال أغسطس 2015 لم تتجاوز مساعدات بعض اللاجئين 14 دولارا للشهر، وتم خفض المساعدات للاجئين آخرين إلى 7 دولارت فقط، وفي سبتمبر 2015 تم حرمان 229 ألف لاجئ من المساعدات تماما. وفي لبنان تم خفض المساعدات إلى 27 دولار للفرد شهريا ثم إلى 13.5 دولار فقط.

وفي تركيا أعلنت السلطات التركية أنها أنفقت على اللاجئين السوريين 6 مليار دولار، لكن المساعدات الدولية لا تمثل سوى 3 بالمئة من هذا المبلغ. وهو الأمر الذي جعل اللاجئ السوري يغامر بالهجرة غير القانونية عبر قوارب الموت في البحر نحو الدول الأوروبية.

 

– مقارنة الإنفاق العسكري بمساعدات اللاجئين

عندما ننظر للتعهدات المالية التي التزم بها مؤتمر المانحين لللاجئين السوريين في الكويت عام 2014 نلاحظ أن مستواها أقل بكثير من مستوى الإنفاق العسكري على الحرب الدائرة في سوريا أو العراق وحتى  حلف الناتو في ليبيا.

وفي هذا الصدد، أشارت بيانات وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن تكلفة محاربة التنظيم منذ شهر أوت 2014 وحتى منتصف جوان  2016 بلغت نحو 8.4 مليار دولار بمتوسط يومي 11.9 مليون دولار.

في مقابل ذلك، لم تتعد تكلفة بريطانيا التي تقوم بمهام ضمن قوات التحالف الدولي تشمل، بجانب المشاركة في المواجهات المسلحة، التدريب والاستشارات، نحو 316.9 مليون دولار بنهاية مارس 2016.

 

2 – الحوافز الأوروبية

عندما نقارن الحوافز التي تقدمها أوروبا للاجئين مقارنة بدول الجوار في ظل التنصل من الإلتزامات تجاه اللاجئين السوريين في دول الجوار، فإن اللاجئ السوري يكون قد دفع للهجرة نحو أوروبا.

في أوروبا يمنح اللاجئ إمكانية لم شمل الأسرة،  ورواتب إعانة بمجرد الوصول، وسرعة الحصول على الإقامة، ومزايا السكن والشغل وتعتبر أوروبا ملاذا آمنا من الحرب. بدون أن ننزع من الأذهان حاجة أوروبا الملحة للمهاجرين سعيا لتجاوز شيخوختها، كما نوضح ذلك لاحقا.

 

3 – التحول الذي حدث في مصر

كانت مصر في فترة حكم الرئيس محمد مرسي ترحب باللاجئين السوريين، لكن بعد وصول الرئيس السيسي إلى الحكم يوم 3 جويلية 2013 تم تغير الموقف من الثورة السورية ومن اللاجئين السوريين. وبالتالي لم يبق للاجئ السوري سوى الهروب نحو أوروبا. وبلغ عدد اللاجئين السوريين في مصر نحو 500 ألف لاجئ حسب ما أعلن عنه عبد الفتاح السيسي شهر سبتمبر 2015.

 

ثامنا: أسباب وأهداف الدول الأوروبية من استقبال الهجرة

إن المعطيات السابقة لا تكفي لتفسير توجه العرب والمسلمين خاصة السوريين إلى أوروبا، وإنما هناك أمور أخرى يمكنها تفسير ذلك، فلو لم تكن هنالك سوق تستوعب المهاجرين لما حدثت هناك هجرة أصلا. ويتمثل هذا في حسابات دول الشمال في استقطاب المهاجرين.

 

I – مواجهة شيخوخة أوروبا:

 

ويرجع ذلك للأسباب التالية

1 – الوضع الديمغرافي في دول جنوب وشرق المتوسط

 

سجل التقرير الأوروبي أنه خلال الـ 20 سنة الأخيرة – بين 1989 – 2009 اتسم الوضع السكاني في دول جنوب وشرق المتوسط بـ :

أ – ازدياد كبير في عدد السكان بمعدل 2.5 بالمئة سنويا، وهي واحدة من أعلى معدلات الزيادة في العالم.

ب – ارتفاع الخصوية: رغم أن خصوبة المرأة تراجعت من 7 أطفال لكل امرأة جنوب المتوسط، فإنها ما تزال مرتفعة مقارنة بالمرأة الأوروبية، فنسبة الخصوبة بالنسبة للمرأة في فرنسا مثلا هي 1.9 طفل لكل امرأة مقابل 2 طفل للمرأة التونسية، 2.2 للمرأة التركية، 2.5 للمرأة الجزائرية والمغربية، 3.3 للمرأة السورية و3.4 للمرأة الأردنية والفلسطينية 4.9 – خصوبة نضالية-

ج – ارتفاع معدل الشباب: حسب تقديرات الأمم المتحدة فإن نسبة سكان جنوب وشرق المتوسط سترتفع بـ 38 بالمئة بحلول عام 2030 لتصل إلى 352 مليون. لكن شريحة العمر بين 25 – 64 سنة سترتفع من 38 بالمئة عام 2000 إلى أكثر من 50 بالمئة عام 2030. ما يعني أن هناك توجه نحو ارتفاع القوة المنتجة في هذه الدول بحلول 2030. فمتوسط عمر السكان سيكون في حدود 30 سنة – 30 سنة في الجزائر و29 سنة في المغرب و31 سنة في تركيا. سترتفع الطبقة الوسطى لأنه سيكون لديهم أطفال أقل ومتقاعدين أقل.

 

2 – الوضع الديمغرافي في الشمال

مقابل الوضع الديمغرافي في جنوب وشرق المتوسط، فإن المعطيات المتاحة تبين أن الدول المتقدمة التي تتميز بثرائها تعاني من مشاكل ديمغرافية خطيرة منها:

أ – تراجع الخصوبة في أوساط سكانها، ما جعل مجتمعاتها تميل نحو الشيخوخة. وهو ما تعبر عنه بعض الأدبيات الإعلامية بوصف “الإنتحار السكاني”.

 ب – عدم القدرة على تجديد الأجيال: حيث يلاحظ أن نسبة نمو السكان في الدول الأكثر تقدما يرتفع بمعدل سنوي يبلغ 0.25 بالمئة، بينما في الدول الأقل تقدما فيقدر هذا المعدل بنحو 1.5 بالمئة أي بنحو ستة أضعاف. وتشير التقديرات إلى أن هذا الفرق سيستمر إلى غاية 2050.

وإذا لم تسارع المواليد في أوروبا بالتسارع، فإنها تميل بشكل حتمي نحو الشيخوخة بحلول 2050، خاصة ألمانيا وإيطاليا واليونان وفرنسا، فاللذين يبلغون من العمر فوق الـ 60 سيمثلون نحو 34 بالمئة من أجمالي السكان.

ج – تراجع عدد السكان: إن دولا عديدة في الإتحاد الأوروبي مثل إسبانيا فإنها لن تجد نفسها غير قادرة على تجديد سكانها فقط، بل سوف يحدث تراجع في عدد سكانها البالغ 40 مليون بنحو 5 مليون، ليصلوا إلى 35 مليون بحلول عام 2050 مقابل ارتفاع عدد السكان فوق الستين بمقدار 10 ملايين.

لذلك جاء في دراسة للمركز الأوروبي لمراقبة السياسات العائلية – مقره فيينا – أن الواقع الديمغرافي الأوروبي يتسم بتدني المعدل المتوسط للإنجاب -المقدر بـ 1.45 طفل لكل امرأة- عن المستوى المطلوب لتأمين نشوء أجيال شابة، وأنه ما لم يسجل تقدما في هذا المعدل وما لم يترفع مستوى الهجرة فإن عدد السكان في أوروبا من المحتمل أن يتراجع. وخلصت الدراسة إلى أن أوروبا بحاجة للمهاجرين وإلى مواقف وسياسات أكثر عقلانية وإيجابية في التعامل مع قضية الهجرة بشقيها القانوني وغير القانوني.

أما بالنسبة لتراجع عدد السكان فنجد مثلا أن 10 ملايين فرنسي من أصل 55 مليون تجاوزوا الستين سيصبحون 15 مليون عام 2020 بدون زيادة في العدد الإجمالي للسكان. وفي ألمانيا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى يتجه التعداد السكاني نحو الهبوط الحاد، فسكان ألمانيا مثلا سيتراجعون من 79 مليون إلى 60 مليون عام 2020.

 

د – الشيخوخة

جاء في تقرير لمعهد الإستشراف الإقتصادي لدول المتوسط بحلول 2030 الصادر في باريس عام 2009 – أي قبل الربيع العربي- أن التطور الديمغرافي يهدد المجتمعات المحلية بالإنفجار – فدول الإتحاد الأوروربي تسسقبل على الأقل 8 مليون مهاجر من دول حوض المتوسط، خاصة من تركيا 3.6 مليون، المغرب 2.1 مليون، الجزائر 1.5 مليون.

هذا الأمر ولد مخاوف من تراجع عدد الأوروبيين في أوروبا التي تتجه نحو الشيخوخة، ومخاوف بخصوص هوية أوروبا.

تشير التقديرات الأوروبية أن سكان أوروبا الغربية سينخفضون من 389 مليون عام 2000 إلى 372 مليون عام 2030. وهو الأمر الذي ترجمه شيخوخة المجتمع الأوروبي.  ويقدر متوسط العمر في أوروبا حاليا  بـ 38.5 سنة، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 48.5 عام 2050 بسبب عدة عوامل أهمها : أن عدد الأطفال لكل امرأة يقدر بـ 1.6 بحلول عام 2030، وهو معدل أقل من معدل تجديد الأجيال المقدر بـ 2.1 طفل لكل امرأة، تراجع الخصوبة وارتفاع أمل الحياة بحلول 2050.

وهذا يعني أن عدد سكان أوروبا سيتراجع في العالم، فبعدما كانت تمثل 22 بالمئة من سكان العالم في 1950 ستصبح تمثل فقط 8 بالمئة عام 2030 مقابل 11 بالمئة عام 2050. وهذا الإنخفاض ليس فقط مقارنة بالصين والهند ولكن أيضا مقارنة بالولايات المتحدة التي ستعرف زيادة في عدد السكان بـ 52 مليون بحلول عام 2050.

من جهته قدر قسم الإسكان بالأمم المتحدة أن شيخوخة السكان في أوروبا تستوجب استدعاء 47.5 مليون مهاجر في الحد الأدنى، و159 مليون مهاجر في الجد الأقصى في السنوات القادمة حتى 2050 لكي تتمكن من المحافظة على معدل التوازن الذي يوفر 5 أفراد نشيطين مقابل متقاعد واحد.

ولهذه الأسباب يظهر عامل الهجرة كمنقذ لأوروبا. وهذا ما أقرته الأمم المتحدة عام 2000 في تقرير عنوانه ” تجديد الهجرة هو الحل لشيخوخة سكان أوروبا .” وبدون  المهاجرين حسب الأمم المتحدة ستزداد نسبة شيخوخة أوروبا بحلول 2030. ويرجع 85 بالمئة من نمو سكان أوروبا إلى إسهام الهجرة .

وتحتاج أوروبا بين 2015 و2020 إلى تدفقات هجروية معتبرة للحفاظ على سكان في سن نشيط، ففرنسا مثلا تحتاج لنحو 100.000 مهاجر سنويا.

لذلك قررت أوروبا توسيع الإتحاد لدول أوروبا الشرقية، لكن الحاصل أن الخصوبة في هذه الدول أيضا ليست على أفضل مقارنة بدول أوروبا الغربية، فهناك زيادة سريعة في السكان المسنين وهبوط حاد في الشريحة العمرية الأقل من 15 سنة.

على هذا الأساس فإن أوروبا تنظر للهجرة في المدى القريب على أنها حاجة، لكن بعد ذلك ستبدو ضرورة ملحة. ولأن الخصوبة في الوطن العربي تعتبر مرتفعة مقارنة بنظيرتها في دول الإتحاد الأوروبي، نفهم جيدا لماذا تفتح أوروبا ذراعيها للمهاجرين العرب، ولماذا تعاملت مع المهاجرين السوريين على أساس أنهم غنيمة حرب. وربما هذا ما يفسر في بعض جوانبه رغبة المستشارة الألمانية ميركل في استقطاب مزيدا من المهاجرين واللاجئين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 

II – دفع عجلة الإقتصاد

واحدة أخرى من الأسباب التي جعلت أوروبا دولا مستقبلة للهجرة، هي دفع عجلة الإقتصاد بسبب شيخوخة المجتمع الأوروبي وصعوبة إيجاد يد عاملة أوروبية. فالدراسات الإستشرافية تشير إلى أن عدد الشريحة العاملة في أوروبا – 15 – 64 سنة – ستنخفض بـ 56 مليون في 2050 وسيبدأ قدرة أوروبا على تعويض اليد العاملة المتجهة نحو التقاعد بشكل حساس بدء من 2020.

وحسب الأمم المتحدة فأن أوروبا لا تستطيع تعويض سوى 3 عمال من أصل 4 توجهوا نحو التقاعد بحلول عام 2020. إن تراجع الشريحة العالمة في أوروبا – 15 – 64 سنة – ستنجم عنه انعكاسات خطيرة منها:

–         انخفاض الناتج الداخلي الخام PIB  من معدل سنوي يبلغ 2.4 في عام 2004 – 2010 إلى 1.2 بالمئة فقط عام 2030 و 2050.

–         زيادة النفقات العمومية المرتبطة بالسن مثل الصحة وخدمات السكان العجزة والمتقاعدين بـ 10 بالمئة من مجموع النفقات العمومية  بحلول 2050 .

–         تعريض نظام التقاعد والحماية الإجتماعية للخطر.

وربما هذا ما يفسر استقطاب الدول الـ 4 الكبرى في الإتحاد الأوروبي وهي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا نحو 88 بالمئة من السكان المهاجرين إلى دول الإتحاد.

إن القصور الديمغرافي الذي تعانيه أوروبا لا تستطيع التغلب عليه بمفردها، لذلك أعدت المفوضية الأوروبية شهر ديسمبر 2005 ما يعرف باسم “الورقة الخضراء” تتوقع انخفاض عدد الأشخاص المنتجين وارتفاع عدد المسنين داخل الإتحاد الأوروبي – إذا استمرت اتجاهات السكان واتجاهات تدفق الهجرة الحالية – إلى 20 مليون عاملا تقريبا في الفترة ما بين 2010 و2030 ، الأمر الذي يستدعي الحاجة إلى تدفقات متواصلة من المهاجرين.

وفعلا تشير بعض الإحصائيات إلى مدى إسهام المهاجرين في روح المبادرة والإبتكار وتحقيق الرخاء في أوروبا وفي دفع الضرائب، ففي بريطانيا مثلا خلال عامي 1999 و2000 ساهم المهاجرون بـ 4 مليار دولار ضرائب. وفي حال قل إسهامهم بنقص تعدادهم فإن الحكومة ستلجأ إلى تخفيض الخدمات العامة أو زيادة معدلات الضرائب.

لذلك بينت دراسة حول ألمانيا أنه دون إسهام المهاجرين الذين قدموا لألمانيا بين 1988 و1991 سوف يتعرض نظام الرعاية الإجتماعية للإنهيار.

 

تاسعا: تحديات الهجرة على الدول المستقبلة في الإتحاد الأوروبي

 

1 – الإنقسام الأوروبي

حسب إحصائيات وكالة الإتحاد الأوروبي لشؤون أمن الحدود الخارجية FRONTEX  فقد دخل أوروبا نحو 630 ألف مهاجر غير قانوني خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2015. وقد اثارت انقسامات في الداخل الأوروبي بين السياسيين والإعلاميين وحتى السكان بين رافض ومرحب ومتحفظ.

لقد أعلنت عدة دول وعلى رأسها التشيك وبولاندا وسلوفاكيا ورومانيا رفضها خطة الإتحاد الأوروبي لتوزيع اللاجئين في شكل حصص بين دول الإتحاد ، لأن هذه الدول لا ترى نفسها سببا في الصراعات التي نشبت في الشرق الأوسط، من جهة، ومن جهة أخرى هي نفسها تعتبر مصدرة للمهاجرين. بينما تقود ألمانيا الإتجاه الثاني المؤيد لاستقبال اللاجئين لاعتبارات ديمغرافية واقتصادية شرحتها سابقا.

 

2 – تصاعد اليمين في أوروبا:

إن تصاعد اليمين في أوروبا  إلى درجة أنه تم الإعلان عن تشكيل تكتل يضم الأحزاب اليمينية في البرلمان الأوروبي برئاسة زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي مارين لوبان شهر جوان 2015. هذا اليمين رافض للهجرة ويهدد الإتحاد الأوروبي بالتفكك.

3 – المهاجرون العرب والمسلمون: من حاجة ضرورية إلى مشكلة حقيقية

رغم أن المهاجر العربي أو المسلم هاجر وطنه الأصلي ماديا ومعنويا بحثا عن تحقيق حلم في ما وراء البحار، سواء أكانت الهجرة طوعية أو قسرية، إلا أن هناك عدة مشاكل توجهه ريثما يصل للوطن الحلم، ومن أهم هذه المشاكل التي أصبحت مشكلا حتى للدول المستقبلة نفسها خاصة أوروبا هي مشكل الإندماج، لأن المهاجر يحمل مضمونا ثقافيا ومخزونا قيميا ومنظومة من العادات والتقاليد الإجتماعية، ولم يستطع أن يحقق التفاعل بينها وبين منظومة القيم الثقافية والدينية والإجتماعية للدول المستقبلة للهجرة، التي تطلب منه الولاء المطلق للوطن الجديد.

لكن هناك عدة عوامل عرقلت عملية الإندماج منها التمييز الذي يتعرض له المهاجر العربي الإسلامي والممارسات العنصرية والعدائية التي تمارس ضدهم وجعلتهم يشعرون بأنهم غرباء.

يحدث هذا رغم أنهم شاركوا في بناء أوروبا اقتصاديا بدرجات متفاوتة، وكانوا يقومون بالمهن الشاقة كالبناء وشق الطرق والصناعات الثقيلة وأحواض بناء السفن والمناجم، بل أن المغاربة مثلا شاركوا حتى إلى جانب القوات الفرنسية خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وإن كانت الإحصائيات الرسمية الدقيقة غير معروفة، وهناك خلط بين المهاجرين العرب والمهاجرين المسلمين. فإن بعض التقديرات تشير إلى أن إجمالي عدد العرب المهاجرين عبر العالم قدر في عام 2006 بنحو 15 و20 مليون، وسيصل عددهم عام 2030 إلى 25 و65 مليون مهاجر.

 

4 – الإسلاموفوبيا

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تزايدت الحملات ضد المهاجرين العرب والمسلمين، وتم إلصاق تهم الإرهاب بهم. وبدأ حينها التركيز الرسمي والإعلامي والسياسي وحتى الشعبي على قضية المهاجرين باعتبارها لا تخص واقع أوروبا فقط إنما يتعلق الأمر بمستقبلها. و تصاعدت تيارات عنصرية وعدائية في أوروبا تجاه المهاجرين، برزت في سلوكات وتصريحات ومواقف إعلامية – نمط مقولب – وتم إصدار قوانين لمكافحة الإرهاب وكان ضحيتها العرب والمسلمين المهاجرين بالدرجة الأولى، وبدأت أوروبا تعتمد سياسة انتقائية للمهاجرين الجدد تركز على الشباب والمهارة والنخبة بشرط اتقان لغة الدولة المستقبلة. وانتهجت فرنسا سياسة “الفيزا العلمية” لبعض الشباب المتخصصين، واعتمدت ألمانيا “البطاقة الخضراء” تيسر دخول المهاجرين المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات، وعملت إسبانيا على تشجيع المغاربة الراغبين في العودة إلى بلدانهم بمنحهم علاوات تتراوح بين 5 آلاف و20 ألف أورو. – لكن لم يستجب لها سوى 2 بالمئة فقط من أصل 650 ألف مهاجر هناك.

ولعبت وسائل الإعلام الأوروبية دورا سلبيا في تنميط صورة العرب والمسلمين وربطهم بالإرهاب وبتهديد هوية أوروبا، وهذا ما يفسر نظرة الأوروبيين لبعض التعبيرات الإسلامية مثل الحجاب على أنه تطرف أو عدم رغبة في الاندماج، وقد صادق البرلمان الفرنسي في مارس 2004 على قانون يحظر ارتداء الحجاب في المدارس.

وتضمن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2004 حول الحريات الدينية ما يشبه التحذير بقوله : في حال انضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي سوف يبلغ تعداد مسلمي أوروبا 90 مليون، أي نحو 15 بالمئة من إجمالي عدد سكان أوروبا. وأوضح التقرير ايضا أن 50 بالمئة من مسلمي أوروبا حاليا ليسوا مهاجرين بل ولدوا في مجتماعتهم، وأن 30 بالمئة من مسلمي أوروبا هم دون سن الـ 30 سنة، وأن نسبة المسلمين في فرنسا تبلغ 25 بالمئة من إجمالي عدد السكان بحلول عام 2020 وتصل 50 بالمئة بحلول عام 2050.

قد يكون فيه نوع المبالغة، لكن هذه التقارير تشير إلى تصاعد موجة الإسلاموفوبيا فعلا، بسبب ما ذهب إليه بعض الكتاب والإعلاميين إلى أن أوروبا في طريق العوربة والأسلمة، ففرنسا مثلا التي تضم حاليا نحو 4 ملايين مهاجر مسلم ستصبح خلال العقود المقبلة ما أسماه بعضهم “أول دولة أوروبية/عربية”، و”ثالث دولة أوروبية /مسلمة” بعد تركيا وألبانيا.

 

5 – من البعد التنموي إلى البعد الأمني للهجرة

لقد أصبح الأمن يقلق المجتمعات وأصبح هناك خلط بين الهجرة والإرهاب، وأدت إلى ميلاد سياسات تشريعية تحد من الهجرة نتيجة تصاعد اليمين المتطرف، فولّد الهجرة الإنتقائية التي نادى بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عندما كان وزيرا للداخلية.

 

عاشرا : بعض الإقتراحات

1 – لابد من حوار عقلاني بين الشمال والجنوب، وحث أوروبا على التعامل بإيجابية مع مصادر الهجرة مثل المساهمة في الحد من الصراعات.

2 – ترك شعوب الشرق الأوسط وإفريقيا تطبق نظام ديمقراطي بالشكل الذي يناسبها، حيث لا يوجد نظام ديمقراطي واحد نموذجي لكل الشعوب.

3 – توفير التمويل المطلوب لللاجئين في دول جوار سوريا.

4 – العمل الجاد على تحقيق الإستقرار في دول الربيع العربي خاصة ودول الشرق الأوسط وإفريقيا عامة.

5 – العمل على عودة اللاجئين والمهاجرين لبلدانهم الأصلية.

6 – الحرص على سلامة اللاجئين والمهاجرين ولو بطرق غير قانونية وتمكينهم من الحفاظ على خصائصهم الهوية والثقافية.

7 – المساهمة بالجدية اللازمة في تمويل مشاريع التنمية في دول الجنوب كمسؤولية أخلاقية نتيجة احتلالها لبلدان العالم الثالث وتسببها في أزمات اقتصادية وسياسية.

8 – فتح الأبواب للهجرة النظامية بشروط معقولة طبقا لمبادئ العولمة.

9 – على دول الشرق الأوسط أن تحقق العدالة والديمقراطية والحريات والمساواة أمام القانون.

10 – حث دول الخليج التي تعتبر بلدان مستقطبة للعمالة الخارجية على إعطاء الأولوية للمهاجرين السوريين.

11 – منح إمكانية لم الأسرة للاجئين في الدول العربية على غرار ما يحدث في أوروبا.

12 – ضرورة اهتمام الدول المصدرة للهجرة أكثر بالجاليات وتوسيع عدد المقاعد التمثيلية للمهاجرين ومساعدتهم على تنظيم أنفسهم والدفاع على حقوقهم في الدول المستقطبة للهجرة.

 

 

بعض المراجع

 

1 – مصطفى عبد العزيز مرسي، قضايا المهاجرين العرب في أوروبا، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبوظبي، الطبعة الأولى، 2010.

2 – أحمد شوقي، أزمة اللاجئين السوريين إلى أوروبا، قراءة من مدخل الإقتصاد السياسي الدولي، منشورات منتدى العلاقات العربية الدولية، بتاريخ 8/12/2015 في http://fairforum.org/ تم الإطلاع عليها بتاريخ 17 /12/2016. Pdf

3 – أنظر فيلم وثائق للقناة الفرنسية الـ 5 بتاريخ 25 سبتمبر 2016 ، أو انظر : محمد لعقاب، لماذا امتد الانهيار من العراق إلى سوريا وتداعيات الربيع العربي، في الجزائر اليوم الإلكترونية والشروق أون لاين، أو صوت الأحرار بتاريخ 19 و 20 أكتوبر 2016.

4  – أنظر دراسة محددات الإنفاق: اقتصاديات التدخل العسكري بمنطقة الشرق الأوسط، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، الإمارات العربية، بتاريخ  30 أغسطس, 2016 على الموقع: http://futureuae.com/ar-AE

5 – IPEMED (institut de prospective économique du monde méditerranée), méditerranée 2030 , construire la méditerranéen- notes & documents n 10, paris 2009

6 – Philippe fargues, Christine Fandrich – Robert Shuman Centre for advanced studies- : Migration after the Arab Spring, by Migration Policy Centre. 09/2012.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى