أراء وتحاليل

رؤيتنا للحوار الوطني: الضمانات و الميكانيزمات (01)      

   أ.د يوسف قـاسمي*

توطـئة

أعتقد أنه من الضروري قبل الخوض في موضوعنا الإشارة و التأكيد على أهمية الوعي  – باعتباره: “انتصار للعقل و تحكيم للمنطق الموضوعي في إصدار الأحكام وبناء المواقف واتخاذ القرارات المصيرية…”- في صناعة الذات وتطور العلاقة مع بالآخر، وبالتالي بناء العلاقات المتفاعلة ايجابيا بين بني البشر؛ كون هذه الأخيرة تمثل الشرط الأساس لبقاء واستمرارية النوع البشري كما تمثل المعيار الصحيح الحقيقي للقيام بمسؤولية التكليف الإلهي في الاستخلاف و عمارة الارض و أداء رسالة الشهادة على الناس وعلى باقي الخلائق… كما نصت عليه شرائع السماء و نظمته قوانين التـدافع الحياتية.                ضمن سيرورة الوعي و تقدمه تولد قيم: الاستنارة والانفتاح، قبول الرأي الآخر وممارسة النقد الذاتي عبر آليات المراجعة و النقد  والتقويم، وضمان القدرة على التكيف والتعايش… تلكم هي العقلانية التي تمتزج مع معنى الحرية و تمثلاتها الفردية و الجماعية، فضلا عن روح الاستنارة التي يجب أن تسود لتستوعب الكائن و الممكن، و تشتغل على ما يجب أن يكون في إطار آلية الحوار الشامل؛ لأجل صياغة مستقبل الجماعة و تجسيد تطلعاتها و أحلامها المشروعة.

في البد كان الحوار… ؟

أ –  تأصيل  منهج الحوار في القرآن الكريم

الحوار من حيث كونه سؤال الفهم للمستعصي من القضايا الإشكالية، و المسائل المعقدة ذات الطبيعة المشتركة وجودا و مصيرا… اتخذه الله عز و جل منهجا و سبيلا – من بداية الخليقة- للتواصل والإفهام؛ فكان مع: الملائكة أولا، ثم مع الجن ثانيا.. ومع الإنس ( أدم عليه السلام و باقي الأنبياء) آخرا…. ليعرفهم بذاته المقدسة وطبيعة علاقته بالخلق، ثم بحقيقتهم و وظيفتهم الرسالية التي كلفوا القيام بها من قبل خلق أدم أبو البشر و بعده.    و ليضمنه الكتب السماوية -التي أنزلها على أنبيائه المرسلين- من: الزبور و التوراة و الإنجيل… إلى القرآن الكريم كأخر الكتب و ختامها؛ و ليجعله شرعة و منهاجا للتواصل و التعارف و التفاهم بين الناس والخلق أجمعين. يتبين ذلك ويتضح في حوارات الله الأنبياء  و الرسل مع أقوامهم، و بين أتباع الديانات. قال تعالي في حواره الأول مع ملائكته الكرام: ( و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة، قالـوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون… ) سورة البقرة 30. ليسجل سبحانه وتعالى حواره الثاني مع الشيطان؛ فقال: ( … قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال انأ خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، قال فاهبط منها ما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين…) سورة الأعراف 18

و الحوار الثالث لله عز وجل كان مع أدم عليه السلام فجاء مخاطبا له وهو في الجنة قائلا: ( ويا ادم اسكن أنت و زوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين… ،…. وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلك الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين، قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، قال أهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر و متاع إلى حين.) الأعراف 19 وما بعدها.

ب –  حوار الأنبياء و الرسل مع أقوامهم:

من نماذج حوار الأنبياء مع أقوامهم ما جاء على لسان سيدنا نوح عليه السلام في قوله تعلي: ( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قومي اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين…) سورة الأعراف

وقام حوار بين نبي الله إبراهيم خليل الرحمن؛ فجاء على لسانه: ( واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين…،… قال أفرأيتهم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين.) سورة الشعراء 60

كذلك الحال كان مع باقي الأنبياء كموسى، و يعقوب، يحي و زكريا، أيوب و يونس، و عيسى عليهم السلام.. وصولا إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى مخاطبا خاتم الأنبياء والمرسلين: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.) النحل 125.  وقال:( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن.) العنكبوت 46

يتضح من كل ما سبق أن فكرة الحوار في شريعة الله من لدن أدم عليه السلام إلى خاتم الرسل والأنبياء محمدا –صلعم- هي فكرة أصيلة ثابتة و عميقة، وليست مجرد فكرة عابرة أو طارئة ظرفية.

ج – الحوار ضرورة مجتمعية و دعامة وطنية

اتخذ البشر “آلية الحوار” وسيلة مفضلة و أداة ناجعة في إدارة علاقاتهم البينية الاجتماعية و الاقتصادية، الثقافية و السياسية.. بالرغم مما شابها – بين الفينة و الأخرى- من توترات وصدامات أفضت أحيانا إلى قيام حروب في فترات وأزمنة محدودة؛ قياسا إلى فترات السلم والتعايش. والغريب أنه عادة ما تنتهي الحروب ذاتها بالجلوس إلى طاولة الحوار كضمانة أكيدة لنهايتها و دخول مرحلة السلم الطويلة؛ ذلك أن العقل الإنساني في أرقى تطوره أبدع “النظام الديمقراطي” و جعل “الحوار” المنهج و الأداة المثلى لتجسيده. و من ثم فهو يشكل ضرورة مجتمعية لأجل التفاهم والتعاون بين أفراده في الأسرة وخارجها، و أساس ودعامة أكيدة في إدارة الشأن العام و التداول على السلطة و تحقيق الاستقرار و الأمن، ومن ثم ضمان الشفافية و الرشادة في الحكم و ديمومته.

و بلادنا تعيش حراكا شعبيا سلميا رائعا منذ 22 فيفري الفارط اتخذ لنفسه من أجل انجاز وتجسيد مطالبه المشروعة في التغيير والإصلاح ” آلية الحوار عن بعد” بين الشارع والسلطة؛ في صورة مسيرات ورفع شعارات، وإبداع وسائل التعبير الديمقراطي السلمي.. وقد كانت الاستجابة المتدرجة من الدولة، مؤسساتها و أجهزتها كالجيش و العدالة خاصة متدرجة و متساوقة مع التوجه العام الذي يكفل السلطة السيدة للشعب؛ بما يضمن الحفاظ على ديمومة الدولة و المكاسب المحققة، كما يحفظ و يعزز حق المشاركة في كنف الطمأنينة و تحقيق السلم الأهلي لكل المواطنين. من هنا جاءت ” الدعوة للحوار” بين السلطة القائمة والمعارضة والمجتمع المدني بمشاركة الشخصيات و النخب الوطنية، وممثلي الحراك من الشباب والنشطاء… لأجل بحث الضمانات والشروط الكفيلة بتشكيل السلطة الوطنية المستقلة للإشراف و رعاية وتأطير و رقابة و إعلان الانتخابات؛ للذهاب إلى تجسيد العودة للشرعية الدستورية السلطة و انتخاب رئيس جمهورية عبر الاختيار الحر و الصندوق الشفاف.

سيكون هذا محور حديثنا في الحلقة القادمة و الاجتهاد في اقتراح ما نراه من ضمانات  و ميكانيزمات لإنجاح الحوار الوطني القادم، و من ثم الامسكاك بمفتاح الحل الحقيقي للخروج النهائي من الأزمة الراهنة.. والذهاب معا لبناء الجزائر الجديدة  لكل الجزائريين.

 

* المنسق الوطني لمبادرة منتدى النخبة والكفاءات الوطنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم