أراء وتحاليل

رؤيتنا للحوار الوطني..  الضمانات و الميكانيزمات (02)  

   أ.د يوسف قـاسمي*

1- ضمانات نجاح الحوار الوطني

في ظل الزخم المتواصل للحراك الشعبي جمعة بعد أخرى، واستمرار الأزمة السياسية  و حالة التجاذب وفقدان الثقة في السلطة القائمة، ونتيجة لتمسك عصابة “الدولة العميقة ” وحلفاءها بسلطة النفوذ والتأثير في التوجه العام للقرارات والخيارات.. ونتيجة لغياب مناخ الثقة -الذي نخشى أن يدفع لا قدر الله إلى الانسداد وحالة القطيعة- مع فقدان التفاعل الجدي المسؤول من قبل الأحزاب السياسية و زعاماتها الكلاسيكية المتهالكة، فضلا عن انسحاب جل النخب و الكفاءات الوطنية و محدودية تفاعلها وتعاطيها مع واقع الأزمة الراهنة  تأطيرا واقتراحات بناءة… هذا مع عدم توفر الظروف المساعدة على التنسيق و صناعة التوافـق بين أغلب أصحاب المبادرات السياسية المطروحة في الساحة الوطنية؛ سواء من قبل السلطة أو من بعض أطراف المعارضة و كذا الشخصيات و النخب الوطنية..!؟

في هذه الأجواء غير المطمئنة بات لزاما علينا – كممثلي مبادرة : ” منتدى النخبة و الكفاءات الوطنية ” ضرورة الانخراط الايجابي في تنشيط و إثراء النقاش واقتراح خارطة  طريق تتضمن “ضمانات و ميكانيزمات” عملية و واقعية نراها لازمة تساعد على إنجاح انطلاق حوار وطني جدي ومسؤول… عساها تكون لبنة ايجابية تقرب بين شركاء العملية السياسية في الوطن الواحد، كما تمكن – في أقرب الآجال- من حلحلة عناصر الأزمة و بحث مفاتيح حلول للخروج من الأزمة القائمة والمستمرة.  ومن ثم الانخراط الجماعي في فتح ورشات الاصلاح الكبرى و العمل المشترك لتحقيق التحول الديمقراطي السلس الآمن؛ لبناء جزائر جديدة تتسع لكل أبنائها المخلصين دون تمييز عرقي أو إيديولوجي- سياسي. كل ذلك يكون في ظل الشرعية الدستورية القائمة مع الاجتهاد و التفاعل السياسي المبتكر والخلاق، اللذان يضمنان سيرورة الدولة ومؤسساتها، و القراءة المتبصرة الحكيمة لمعطيات الواقع الموضوعي المتحرك في البلاد والمحيط المجاور إقليميا و دوليا، وما يكتنفهما من تعقيدات وتحديات و مخاطر قائمة فعلا.. قد تهدد السلم الأهلي للوطن وأبنائه.

لذلك نعتقد بأنه لإنجاح الحوار الوطني يجب التحضير الجيد له، و توفر حزمة ضمانات شرطية لمساعدته على بلوغ أهدافه ومقاصده الوطنية النبيلة… من أهما:

  • توفر الإرادة السياسية ذات المنطلق الوطني الخالص لدى السلطة القائمة أولا، و كل الأطراف المتحاورة من: أحزاب سياسية وجمعيات مدنية، شخصيات و نخب وكفاءات وطنية… وتجاوز منطق التشكيك في النوايا، والتجاذبات المصلحية والسياسية الضيقة
  • اختيار ممثلين شباب من الحراك الشعبي و انتدبهم للحضور في الحوار الوطني القادم كشركاء حقيقيين، فاعلين معبرين عن نبض الشارع و مدافعين عن المطالب المنطقية والعقلانية المشروعة للمتظاهرين، ومنحهم كاملة الصفة والصلاحية للتعبير والتمثيل.
  • الالتزام بالتعهدات المعلنة من طرف رأس السلطة التنفيذية في خطاباته و المقاربة السياسية المقدمة ( رئاسة الجمهورية )، وكذا تلك التي جاءت على لسان قائد الأركان كممثل للمؤسسة العسكرية...  بضرورة الحياد التام للإدارة العمومية و أذرعها البشرية والمالية والإعلامية… وضمان المرافقة اللوجستية لعملية الحوار الوطني.
  • الاستمرار في المرافقة الايجابية للحراك الشعبي من قبل مؤسسة الجيش والأسلاك الأمنية؛ باعتباره يمثل الشرعية المرجعية المعبرة عن الإرادة الحرة السيدة بحسب نص الدستور الجزائري، ومبادئ وأعراف الثقافة الديمقراطية الحقيقية. فضلا عن كونه المكسب الوطني الجامع والضامن لنجاح عملية التحول السياسي نحو جزائر الغد

هـ – أخيرا وليس آخرا؛ الاستجابة للمطلب الجامع للحراك الشعبي و الطبقة السياسية النخب السياسية وكذا النخب والناشطين… بتنفيذ الاستقلالية الطوعية لرئيس الحكومة وطاقمه الوزاري المعين من قبل القوى غير الدستورية، المتهمين جميعا بالتزكية والسير في ركاب العهدة الخامسة للرئيس المستقيل،  فضلا عن سوابق الفساد الإداري والسياسي والمالي المعلوم لدى العـام و الخاص. ثم التوافق على تعيين رئيس حكومة جديد من الكفاءات الوطنية المشهود لها بالنزاهة و الصدقية و الحياد لتصريف أعمال الشأن العام.

2- آليات و ميكانيزمات الحوار الوطني

أ- التزام كل شركاء العملية السياسية الوطنية و شباب الحراك والناشطين بالانخراط الايجابي في الحوار الوطني – باعتباره الأسلوب الحضاري الأمثل و الأداة الناجعة –  لبحث المشكلات و تقريب وجهات النظر، و تجميع المقترحات البناءة لبحث مخارج حلول توافقية للأزمة بين كل الأطراف دون هيمنة و إقصاء، أو توجيه وتلاعب والتفاف..
ب- إعطاء الأولوية في الحوار الوطني المزمع تفعيله قريبا لبحث موضوع انتخاب رئيس الجمهورية القادم كما ينص عليه الدستور، مع واجب توفير الشروط والآليات القانونية-السياسية الضامنة، وتعبئة الظروف المادية واللوجستيكية خاصة تلك الكفيلة بتفعيل المواد: 7،8،9،10،11 من الدستور الحالي؛ المجسيدة للإرادة الشعبية وسلطته في الاختيار الحر يوم الاقتراع مع احترام و حماية نتائج الصندوق الشفاف.

  • حصر و تركيز مضمون الحوار الوطني في قضية مركزية تتمثل قي الإسـراع في تشكيل السلطة الوطنية المستقلة للتنظيم والإشراف و التأطير المراقبة و إعلان النتائج النهائية للاقتراع… ترأسها شخصية متوافق عليها غير متحزبة و لا سوابق لها في حكم الرئيس المستقيل، و لا تحمل طموحات سياسية للترشح للرئاسيات القادمة في هذه المرحلة على الأقـل. واقتراح تعيينها من قبل رئيس الدولة أو الهيئة الدستورية المخولة.
  • إعداد قائمة اسمية وعرضها للتفاوض بين المتحاورين تشمل الأشخاص المؤهلين وطنيا ومحليا لتشكيل عضوية السلطة الانتخابية الوطنية المستقلة، على أن يكون للقضاة والمحامين، النخب الاكاديمية والكفاءات الوطنية، الشباب والناشطين… حصة التمثيل الغالب، مع ممثلي الأحزاب والجمعيات المدنية والمهنية القطاعية. تتولى الهيئة بعد تنصيبها إعدادها نظام عملها الداخلي ثم مباشرة التحضير اللوجستيكي (القانوني والتنظيمي و الإجرائي، وتطهير اللائحة الانتخابية الوطنية..) للذهاب إلى إجراء الانتخابات الرئاسية في الموعد المحدد المتفق عليه من قبل الأطراف المتحاورة.

هـ – اقتراح إجـراء تعـديل جزئي في القـانون العضوي للانتخابات عبر السلطة التشريعية (البرلمان) والمصادقة عليه، يمس التعديل خاصة المواد المتعلقة بجهة التنظيم وضمان الاستقلالية وحياد الإدارة، والرقابة والنزاهة للعملية حتى إعلان النتائج و رفع الطعون والبث فيه.

و- إصدار بيان مشترك موقع عليه من طرف هيئة الإشراف على الحوار الوطني يبارك و يثمن مخطط محاربة الفساد ومحاصرة الفاسدين و تجفيف منابعهم وتحييد قواهم النشطة، كما تتم فيه الدعوة إلى استكمال تحرير سلطة العدالة واستقلاليتها من كل التدخلات والضغوط، و حماية القضاة، مع منحهم الضمانات الحقيقية التي تكفل لهم القيام بعملهم بكل حرية ضمير والتزام بالقانون دون سواهما. وجعـل ملف محاربة الفساد ومتابعة المفسدين، و استرجاع أموال الشعب المنهوبة مع حماية الثـروة الوطنية للأجيال من التلاعب والنهب… مشروعا وطنيا قائما بذاته يلتزم المتحاورون وسلطات الدولة بتنفيذه.ي- دعوة مؤسسة الجيش الوطني الشعبي لتكون طرفا ضامنا للحل السياسي التوافقي الذي يفضي إليه الحوار الوطني بين الشركاء الأمناء على المصلحة الوطنية العليا، و الذي يلبي المطالب المشروعة للحراك الشعبي... و السهر على أن تجرى الانتخابات الرئاسية القادمة في كنف الطمأنينة والسلم الاجتماعي؛ لنتمكن من انتخاب رئيس شرعي يكون محل الثقة لتسلم الحكم و التعهد بالحفاظ على البلاد من تلاعب و تآمر رؤوس       وأذرع العصابة، ويمنع ويحمي الوطن كل تدخل في الشأن الوطني من الأطراف الخارجية.
هذا مع مطالبتها بالاستمرار في دعم الحراك الشعبي حماية ومرافقة؛ باعتباره الحاضنة  الشعبية الأمينة و أساس العملية السياسية الناجحة، و مصدر كل السلطات كما ينص الدستور والنظم الديمقراطية الحديثة المعتمدة في شرعة و قوانين الأمم المتحدة.
هـ – التزام أطراف الحوار الوطني مع السلطة الفعلية القائمة بدعم الحراك الشعبي و استمراره كمكسب وطني جامع، يتجند الجميع لتوفير كل الإمكانيات الوطنية لحمايته حتى يقوم بدور القوة الضاغطة المراقبة للجميع للتأكد من مدى التزام أطراف العملية السياسية المدنية مع المؤسسة العسكرية- بالدور المنوط بهم في إنجاح مشروع التحول الديمقراطي المطالب به من قبل كل الجزائريين المخلصين.

أملا في التمكن من بناء نظام حكم مدني ديمقراطي لجزائر جديدة ينعم في كنفها أبناءنا و الأجيال القادمة… جزائر المرجعية الوطنية الأصيلة المتعهدة لأمانة الشهداء، المحافظة على الاستقلال و السيادة والثروة الوطنية.. جزائر منفتحة على التطور و العصرنة بفلسفة برغماتية ومنطق الدولة الراعي للمصالح العليا للوطن، المحترمة لاتفاقات التعاون المشترك مع  كل الشركاء الدوليين.

تلكم – سادتي الكرام- رؤيتنا للحوار الوطني القادم… ضمانات و ميكانيزمات، نقدمها كمنسق وطني عام لمبادرة: “منتدى النخبة و الكفاءات الوطنية” و كورقة طريق مقترحة طموحة و متوثبة؛ أملاها علينا ضميرنا الحي وحركه انتماء الوطني و حس المواطنة الفاعلة تحسسها لواجب المرحلة والوقت اللذان يفرضان على كل جزائري مخلص غيور ضرورة المساهمة في بحث الحل للأزمة القائمة.

نضعها بين أيدي كل أبناء الوطن المخلصين الغيورين، نناشد – من خلالها- كل النخب الوطنية والكفاءات النزيهة و شباب الحراك، وعموم أفراد الشعب الجزائري من النساء والرجال… التفاعل والتجاوب والتكرم بقبول القراءة والتأمل و الإثراء الجاد المسؤول. عساها أن تكون لبنة مفيدة وربما أحد المفاتيح لبحث حل وطني توافقي للأزمة السياسية المستمرة.  قال تعالى في محكم التنزيل: ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي  إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب.)  سورة هود 88       صدق الله العظيم

 

* المنسق الوطني لمبادرة منتدى النخبة والكفاءات الوطنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم