الجزائرالرئيسية

رقمنة العمود الفقري للدولة جسر نحو الجزائر الجديدة

رفعت الجزائر في حربها ضد وباء كورونا العالمي راية التحدي من خلال عزمها على خوض سباق الرقمنة، حيث سارعت مختلف القطاعات الوزارية لدخول العالم الرقمي في خطوة واضحة تبرز نية السلطات العمومية في تأسيس جمهورية جديدة تواكب تطورات عصر التكنولوجيا بقيادة أول رئيس منتخب شعبيا، الرئيس عبد المجيد تبون.

شيراز زويد

واتخذت الحكومة الجزائرية قفزات نوعية لتسريع التحوّل الرقمي في ظل الأزمة الصحية، وتبني أنظمة الإتصالات وتفعيل استخداماتها قصد تحقيق تغيير جذري في الخدمات المقدمة للمواطنين، لتكون نموذجا رقميا يحقّق الاستدامة الاقتصادية وللوصول إلى مجتمع معلوماتي واقتصاد رقمي.

أزمة كورونا فرصة تاريخية لرقمنة قطاع الصحة

يعتبر قطاع الصحة من القطاعات السباقة لولوج عالم الرقمنة لاسيما خلال جائحة كورونا التاجي، فمنذ الأسابيع الأولى لظهور الوباء أين كانت الجزائر تسجّل تأخرا في وصول نتائج تحاليل الإصابات التي يتم إجراؤها على مستوى معهد باستور بالعاصمة، تجنّدت الطاقات الشبانية ذات الكفاءات العلمية للإنخراط في الصفوف الأمامية لمحارية العدو اللامرئي.

ومن بين هذه الطاقات، تمكّن المهندس الجزائري محمد لطفي مخناش من رقمنة قطاع الصحة في وقت قياسي لا يتعدى الـ 72 ساعة، من خلال ابتكار تطبيق رقمي يسمح لكافة المؤسسات الاستشفائية بطلب إجراء تحاليل الإصابة بالفيروس والحصول على النتائج في نفس اليوم ، كما يتيح حوسبة الملفات الطبية لجميع المصابين، وبفضل تطبيق المهندس مخناش تمكّنت الحكومة من معرفة خريطة انتشار الوباء بشكل دقيق وبالتالي اتخاذ القرارات المناسبة لحصر تفشيه.

وشكّلت محنة كورونا فرصة لرقمنة قطاع الصحة من كل الجوانب فقد أعلن وزير الصحة والسكان واصلاح المستشفيات عبد الرحمان بن بوزيد شهر جويلية الماضي عن اطلاق منصة لبرنامج معلوماتي لتسيير مواعيد التداوي بالأشعة لفائدة مرضى السرطان، قصد تذليل العقبات في حجز المواعيد والتخفيف من معاناة المصابين بهذا الداء اللعين، وكذلك لضمان التوزيع العادل بين مختلف مراكز الوطن.

إن هذه النافذة الإلكترونية هي خدمة لمرضى السرطان بالدرجة الأولى كما تعدّ نجاحا مهما لقطاع الصحة خلال هذه المرحلة الحساسة التي تمر يها البلاد كما هي تجسيد لمعالم الجزائر الجديدة التي تعتبر الرقمنة بمثابة جسر نحوها.

 

قطاع التجارة يثبِّت موقعه في الساحة الرقمية

قطاع التجارة هو الآخر يسير بخطوات ثابتة لفرض نفسه في العالم الرقمي وللتموقع في الساحة الرقمية باعتبارها جسر حقيقي نحو الجزائر الجديدة جزائر تخلو من الفساد والمفسدين المسيطرين على هذا القطاع. ففي السنوات الأخيرة عرفت البلاد إما ندرة في بعض المواد واسعة الاستهلاك أو وفرة مع ارتفاع الأسعار، وهو ما يتنافى مع متطلبات العيش الكريم للمواطن الجزائري، وكانت أزمة مادة الحليب المدعم من أبرز المظاهر السلبية التي آلت إليها الجزائر في مجال التجارة.

وللتصدي لهذه الظاهرة أو لـ “مافيا الحليب” كما أسماها المسؤول الأول عن قطاع التجارة كمال رزيق، كان لابد من إرساء نظام معلوماتي وطني يشمل إحصائيات مدققة حول الملبنات والكميات التي تستلمها من طرف الديوان الوطني للحليب وكذا حول نشاط الموزّعين، وهو الحل الأنجع لحل مشكل سوق الحليب، وفي نفس الإطار عمدت وزارة التجارة إلى استحداث نظام معلوماتي خاص بالرقابة وقمع الغش على مستوى الحدود، وهو النظام الكفيل بمتابعة حاويات السلع منذ لحظة خروجها من الموانئ إلى غاية وصولها إلى وجهتها المنشودة.

كما أطلقت الوزارة تطبيق الكتروني جديد عبر البوابة الإلكترونية “سجل كوم” لفائدة المؤسسات من أجل تمكينها من إيداع حساباتها الإجتماعية الكترونيا في خطوة أولى نحو القضاء على البيروقراطية، فبفضل هذه الخدمة يقوم المتعامل الإقتصادي بإشهار حساباته الإجتماعية دون عناء التنقل إلى مصالح السجل التجاري أو فروعه، وحسب شروحات الوزير خلال إشرافه على مراسم اطلاق التطبيق على مستوى مقر المركز الوطني للسجل التجاري، فإن هذه الخدمة الإلكترونية التي تسمح بدفع مستحقات النشر عن طريق استخدام أدوات الدفع الإلكتروني ستكون إجبارية ابتداء من سنة 2021، كما أبرز رزيق أن مستحقات الدفع عند الإيداع الإلكتروني ستكون أقل تكلفة من تلك المطبقة عند الإيداع على مستوى الفروع.

 

 المحاكمة عن بعد ثمرة العدالة الرقمية

يعتبر قطاع العدالة من أبرز القطاعات الحساسة في الجزائر ومع ميلاد الجمهورية الجديدة أصبح الوصول إلى عدالة عصرية بمعايير دولية أمر حتمي، وفي إطار تجسديها عمد القطاع بقيادة وزير العدل حافظ الأختام، بلقاسم زغماتي إلى تبني مجال استخدام تكنولوجيات الإعلام والاتصال والتحوّل نحو العالم الرقمي، حيث سمحت الجهود المبذولة في هذا المجال بإنجاز وتطوير شبكة اتصال داخلي خاصة بقطاع العدالة تربط الإدارة المركزية بكافة الجهات القضائية والمؤسسات العقابية وكذا الهيئات تحت الوصاية بواسطة الألياف البصرية التي تعد بمثابة بنية تحتية وقاعدة مادية ضرورية لاستغلال مختلف الأنظمة المعلوماتية المطورة من كفاءات القطاع.

وفي ظل الأزمة الصحية المترتّبة عن انتشار وباء كورونا المهدّد للبشرية والتدابير الوقائية المفروضة لتفادي انتقال العدوى بين المواطنين لاسيما اجراءات التباعد الاجتماعي ومنع التجمعات، لجأ قطاع العدالة إلى استعمال تقنية المحادثة المرئية عن بعد في تنظيم المحاكمات على الصعيدين الوطني والدولي والتي ساهمت بشكل كبير في تسهيل الإجراءات القضائية والتسريع من وتيرة الفصل في القضايا، في خطوة جدية لاستئصال ورم الفساد الذي نخر قلب الجزائر استعدادا لبناء دولة جديدة أساسها الحق والقانون، وتنظيم جلسات محاكمة عن بعد لأذناب العصابة التي نهبت البلاد لمدة من الزمن خير دليل على ذلك.

ومن بين أبرز انجازات القطاع إدخال نظام النيابة الإلكترونية لفائدة المواطن الجزائري الأمر الذي يسمح له بتقديم شكواه أمام النيابة الكترونيا و إلزام كل من نيابة الجمهورية، والنياية العامة على الرد على الشكاوي المقدمة لها بذات الطريقة، بالإضافة إلى اعتماد آلية إرسال الوثائق والإجراءات القضائية الكترونيا، وكذا استحداث نظام آلي يرمي إلى محاربة ظاهرة اختطاف الأطفال يمكّن من الإعلان عن إنذار بحالة اختطاف عبر مختلف وسائل الإعلام قصد النشر الواسع للمعلومة بصفة آنية وعن بعد.

رقمنة السلطة المستقلة للانتخابات خطوة جريئة نحو الجزائر الجديدة

تستعد الجزائر لطرح مشروع تعديل الدستور على الاستفتاء الشعبي في سابقة لم تعهدها البلاد من قبل وفي خطوة ثابتة وجريئة نحو الجمهورية الجديدة، الديمقراطية الحقيقية بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، وتحت ظروف صحية استثنائية فرضتها جائحة كورونا المستجد. إن الموعد الإنتخابي المرتقب يعتبر ثمرة لحراك الشعب الجزائري الحر الذي ضرب بيد من حديد ورفض الإستمرار في المسرحية وللتعبير عن ذلك قرّر الخروج إلى الشارع وعدم الإستسلام لعهدة خامسة ملغومة للرئيس السابق في انتفاضة سلمية حضارية وقف لها العالم بأسره منبهرا ليشهد اليوم ميلادا جديدا يعد فيه الإستفتاء الشعبي محطة حاسمة في بناء دولة الحق والقانون.

موعد الإستفتاء الشعبي المقرّر بتاريخ الفاتح من نوفمبر 2020 ليس اختيارا عشوائيا بل هو اختيار تضرب فيه الجزائر موعدا لإعلان استقلال ثان بتوقيع 100 بالمائة جزائري، ولإضفاء طابع شفاف على نزاهة الإستحقاق الإنتخابي توجّهت الجزائر ممثلة في السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات لاستحداث أرضية رقمية لتنظيم العملية الانتخابية بأيادي مهندسين جزائريين متطوعين اشتغلوا عليها على قدم وساق لمدة 30 يوما ابتداء من 20 أوت إلى غاية 20 سبتمبر الماضي، مكّنت من رقمنة القوائم الانتخابية لأول مرة في تاريخ الجزائر.

هذه العملية الإلكترونية أثبتت نية السلطات الجزائرية  في تنظيم انتخابات نزيهة يشهد لها العدو قبل الصديق، فبفضل الأرضية الرقمية هذه تمّ شطب 22176 ناخبا يوميا عبر التراب الوطني، من بينهم متوفين ظلّت أسماؤهم ضمن القوائم الانتخابية حسبما أفاد به رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات محمد شرفي في تصريحات صحفية، كما أن النجاح غير المسبوق الذي سجلته هذه العملية أعطى دفعا قويا لمهندسي السلطة لإنشاء أرضية لتلقي طلبات التسجيل في قوائم تأطير الانتخابات حيث تم إحصاء 160 ألف مسجل بما يعادل 19 ألف مسجل يوميا، 40 بالمائة منهم هم أصحاب شهادات جامعية، و30 بالمائة هم من حاملي شهادة البكالوريا بالإضافة إلى 18 بالمائة من أصحاب شهادات ما بعد التدرج.

يعد التسجيل الإلكتروني عن بعد للمواطنين غير المسجلين في القوائم الإنتخابية أو الراغبين في تغيير مقر الإقامة هو الآخر سابقة في تاريخ الجزائر، وهو دليل على الحوكمة الجديدة، حسبما أكّده شرفي خلال إشرافه على إطلاق هذه العملية من ولاية بومرداس كما أبرز أن وقت الجدية في التسيير قد حان، فالأرضية الرقمية نجحت في تطهير البطاقة الوطنية للانتخابات التي طالما طالب بها المواطن  معتبرا إياها مكسبا من شأنه تعزيز الديمقراطية في  الجزائر الجديدة.

 

وبهذا تكون الجزائر قد قطعت أشواطا كبيرة  في التحوّل من النظام الكلاسيكي العتيق إلى النظام العصري الدولي، فالتخلي عن الورق والكرتون وتبني الرقمنة لاسيما على مستوى السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وقطاعات الصحة، التجارة، والعدالة، التي تعتبر بمثابة العمود الفقري للدولة، يعد أكبر خطوة قامت بها الحكومة الجزائرية لبناء مجتمع فعال، تنافسي ومستدام وبالتالي النهوض بالجزائر الجديدة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى