أراء وتحاليلبين الفكر والسياسة

عندما تنتزع الرئاسة من الرئيس صلاحياته

نورالدين بوكروح

هناك عدة طرق للمساس بالدستور، وكلها يلام عليها أصحابها : أولا بألا تحترم أحكامها، أو تطبيق بعضها وعدم الامتثال للبعض الآخر، أو ليس كلها، أو تقويلها ما لم تقل به، أو بتفسير معوج مقصود لما تنص عليه بوضوح وصفاء في بعض جوانبها…الخ

ولكي أوضح قولي، أمنحكم مثالين، أحدهما قديم والأخر جديد العهد، بما أنه يعود إلى بضعة أيام فقط.

  • نسمع ونقرأ الكثير أن الجيش الشعبي الوطني ليس له الحق في التدخل خارج الحدود، وهي الأقوال التي يتفوه بها أحيانا مسئولون مدنيون أو عسكريون، حتى أضفيت على هذه الكلمات نوعا من القدسيةـ مع أن الدستور خالي من أي نص يكرس هذا الممنوع والواقع يقول غير ذلك بما أن الجيش الشعبي الوطني شارك في حرب 1967 و1973 في الشرق الأوسط، وفي أمقالا في الأراضي الصحراوية سنة 1976، وشارك في عمليات استتباب الأمن في كمبوديا تحت لواء الأمم المتحدة.
  • في ثاني مثال، لا يتعلق الأمر فقط بكلمات تقال هكذا، بل الأمر يتعلق ببيان صحفي صدر عن الرئاسة بعد الانتهاء من اجتماع مجلس الأمن وفيه نقرأ، بلسان الرئيس الجديد أن “الجيش الشعبي الوطني هو حامي الدستور ومؤسسات الجمهورية”.

إن الرئاسة آخر مكان كنا ننتظر منها مثل هذه الهفوة. وأتعجب كيف لم يستفيق لها أحد، إلا أن نفسرها بجو الخوف الذي أحدثه المرحوم الفريق قايد صالح، رحمه الله، والذي لم يكن يتوانى عن توقيف من بدا له قد مس بالمؤسسة العسكرية.

إن مدون هذا البيان لا يعرف أن كلمة “حامي الدستور” في الدستور (مادة 84) لا تتحدث عن الجيش الوطني الشعبي بل عن الرئيس، والرئيس وحده. وهو لم يفكر بأنه، ببيانه ذلك، ينزع عن السيد تبون صلاحيته الأساسية، ومنحها للجيش الذي لم يطلبها منه.

وإذا تتبعنا “منطقه”، فإننا لم نعد بحاجة لرئيس الجمهورية، بل لصاحب رتبة داخل الجيش، يقوم على تسيير “إدارة مركزية” في وزارة الدفاع، وتكون من صلاحياته “حماية الدستور ومؤسسات الجمهورية” بدل قصر المرادية.

قليل ما يتدخل القدر في الشؤون السياسية للأمم، لكن في بعض الأحيان لا يسعنا إلا الإيمان بذلك، خاصة عندما لا نملك تفسيرا آخر لفهم أحداث وصدف خارقة للعادة.

من زاوية ميتافيزيقة التاريخ، فإن المرحوم الفريق قايد صالح قد أسدى خدمات أخيرة في غاية الأهمية لوطنه خلال السنة الأخيرة من عمره. لقد لوى ذراع “النظام” وقوض ظهره، ورمى في السجن العديد من خدامه، ومنح للبلد رئيسا يتمتع بأكثر شرعية من بن صالح. لكن، ما انتهى من تنصيب الرئيس الجديد حتى وافته المنية، في أول يوم الأسبوع.

نال القايد صالح مراسيم جنازة رئيس دولة طالما انتظرها وتمناها بوتفليقة الذي لم يبقى أمامه سوى دفن خفي في وجدة، حيث ربما سيرتاح، بعد أن خسر معركته في الجزائر.

أما في أوساط الشعب، فالبعض جعل من المرحوم قايد صالح  مثالا لشهيد الوطن و”منقذ الجزائر” ، بينما يرى البعض الآخر أن يد الله تدخلت لإزاحته من الطريق لأنه كان سيثقل الفترة القادمة التي تتميز بشعب ثائر، ورئيس هش الشرعية وجيش تعرض لهزات لم يسبق لها مثيل. ويمكن للائحة أحد المتظاهرين أن تلخص وجهة النظر هذه : “مات الملك، عاش الموت”

كل الرؤساء الستة الذين حكموا الجزائر منذ الاستقلال إلى غاية 02 أفريل 2019، كانوا من الجيش (بومدين، الشاذلي، زروال)، أو اختارهم الجيش (بن بلة، بوضياف، بوتفليقة). أولهم أطيح به بانقلاب عسكري، وثانيهم مات في وظيفته بصفة غامضة، وقتل الآخر، بينما أجبر الآخرون على الاستقالة. وكلهم شاركوا في حرب التحرير.

أما السيد تبون، فإنه أول ممثل عن جيل الاستقلال، إلا أنه لم يفلت من القاعدة. ولن يفلت من المصيرالذي لاقاه سابقيه بنزع صلاحيته الأساسية من يده. بل بالعكس.

مرجع: هذه هي النصوص الحرفية الموجودة في الدستور الساري المفعول في مدخله ومادته 28 المخصصة للجيش.

إنّ الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني يتولى مهامه الدستورية بروح الالتزام المثالي والاستعداد البطولي على التضحية كلما تطلب الواجب الوطني منه ذلك. ويعتز الشعب الجزائري بجيشه الوطني الشعبي ويدين له بالعرفان على ما بذله في سبيل الحفاظ على البلاد من كل خطر أجنبي وعلى مساهمته الجوهرية في حماية المواطنين والمؤسسات والممتلكات من آفة الإرهاب، وهو ما ساهم في تعزيز اللحمة الوطنية وفي ترسيخ روح التضامن بين الشعب وجيشه.

تسهر الدولة على احترافية الجيش الوطني الشعبي وعلى عصرنته بالصورة التي تجعله يمتلك القدرات المطلوبة للحفاظ على الاستقلال الوطني، والدفاع عن السيادة الوطنية، ووحدة البلاد وحرمتها الترابية، وحماية مجالها البري والجوي والبحري.

المادة 28 : تنتظم الطّاقة الدّفاعيّة للأمّة، ودعمها، وتطويرها، حول الجيش الوطنيّ الشّعبيّ.
تتمثّل المهمّة الدّائمة للجيش الوطنيّ الشّعبيّ في المحافظة على الاستقلال الوطنيّ، والدّفاع عن السّيادة الوطنيّة.
كما يضطلع بالدّفاع عن وحدة البلاد، وسلامتها التّرابيّة، وحماية مجالها البرّيّ والجوّيّ، ومختلف مناطق أملاكها البحريّة.

لا يوجد نص آخر عن الجيش الوطني الشعبي في الدستور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى