أراء وتحاليل

فساد العلماء، و النخب العلمية (04)

 في فضل و رسالة العلماء والحكماء

أ.د يوسف قـاسمي*

وقفنا في الحلقات الثلاثة السابقة عند: أصل الفساد و طبيعته، مفهومه و تطوره، أنواعه  و تجلياته.. هذه المقاربة الأخيرة سنستكمل حديثنا عن أخطر وأعظم أنواع الفساد، و أشـده تأثيرا في واقع حياة الناس ومستقبل الأمة والأجيال… ألا وهو فساد فئتي العلماء والنخب الجامعية والخبراء وتوابعهما من المثقفين والمربين و باقي الفئات المتعلمة. ذلك أن هاتين الفئتين حباهما الله بميزات نفسية وروحية سامية، وخصائص عقلية وفكرية راقية، وأخلاق رفيعة و سلوكاات قويمة.. فضلا عن القدرة على الإبداع و العطاء الخلاق؛ مما مكنهما من تبوء أعلى المراتب العلمية و المكانة السامقة عند الخالق سبحانه و لدى المخلوق أيضا. فمنحوا صفة الأفضلية في الخشية والتقوى؛ حيث جاء فيهما في القران الكريم قوله تعالى:  ( قـل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون، إنما يخشى الله من عباده العلماء.) الزمر-الآية 9، وكرما بالرفـعة والحظوة بأعلى المراتب في الدنيا والآخرة؛ في قوله عز من قائل:( يرفَـعِ اللّهُ الَذينَ آمنُوا منْكم والّـذِين أُوتــوا العِلمَ درجاتٍ والله عليم خَبِير.) المجادلة-11 ، كما جعل مناط الحكمة عندهما؛ فقال: ( يُؤتي الحِكمةَ من يشاءُ و مَن يُؤت الحكْمَةَ فَقَد أُوتيَ خيرًا كَثِيرًا، و ما يذَّكّـَرُ إِلا أُولُو الألباب.) البقرة- الآية 269

أما الأثر النبوي الشريف فقد خص العلماء والمختصين تنويها و قدرا؛ فقد روي عن أبي الدرداء –رضي الله عنه- أن رسول الله -صلعم- قال: “مَن سلكَ طرِيقًا يبتغِي فِيه علمًـا سلَك اللَّهُ بِهِ طـرِيقًا إلى الجنَّة، و إِنَّ المَـلائكة لتضع أَجنِحتَهَا رِضاءً لِطالبِ العـلمِ، و إِنَّ العَالم لَيَستَغفِـرُ لهُ منْ في السَّموات ومن فِي الأرْضِ حتَّى الحِيتَانُ في المَاءِ، وفَضْلُ العَالمِ عَلَى العَابدِ كفضل القَمَـرِ علَى سائرِ الكواكبِ، إِنَّ العُلَماءَ ورثَةُ الأنبيَاء، إِنَّ الأنبِيَاءَ لم يُورِّثـوا دينارًا و لا درهمًا، إِنَّما ورّثُوا العـِلمَ، فمَن أخذَ بِهِ أخذَ بحظٍّ وافِـر.”  وروى الترمذي أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَـالَ: ” فضْلُ العَـالِمِ علَى العَابدِ كفَضلِي علَى أدنـاكُمْ.” وقَالَ  – صلع-: ” إِنَّ اللهَ و ملائكتَهُ وأهلَ السَّمواتِ والأرضيين، حتَّى النَّمْلةَ فِي جُحْرِها، و حتَّى الحُوت لَيُصلُّون علَى مُعـلِّمِ النَّاس الخَيـرَ.” كما روي عن التابعي الحسن البصري رحمه   الله قـوله: ” يوزن مداد العلماء بدماء الشهـداء، فيرجـح مـداد العلماء.”

هذه النصوص وكثير منه خصت أهل العلم و نخب المعرفة الأكاديمية و باقي المتعلمين و الحذقة من المثقفين... وغيرهم، تؤكد على أن واجبها ومسؤوليتها عند الله كبيرة جسيمة، و كذلك بين العباد. وعليهم أن يأخذوا إرث الأنبياء و شرف العلم بصدق و أمانة و تقوى،  و ألا يتهاونوا في ذلك مهما كانت الضغوط والخطوب؛ التزاما بالحق و صدحا به، و وقوفا في وجه الظلمة الفاسدين انتصارا للأبرياء من المظلومين.. حتما فإن القيام بذلك يستلزم سبقا في: استقامة النفس، و رشدا في العقـل، ونضجا وسموا في الخلق، و تسلحا حكيما للقيام برسالة الإصلاح والشهادة بين الناس… يؤهل صاحبه لتقلد موقـع التوعية والتأطير، فضلا عن القيادة و التوجيه في الأمة.

وعليه فإنه لا يجوز شرعا كما لا يستقيم الأمر عقلا ولا  منطقا أن يتنازل العلماء والحكماء عن رسالتهم التي شرفوا بها، أو ينخرطوا طواعية أو قهرا في منطق العامة و الغوغاء من الناس إرضاء وارتزاقا وفسادا، ولا أن يداهنوا أصحاب النفوذ والسلطان من: ذوي الوجاهة من الزعماء والحكام و السلاطين، وكذا المسئولين و الساسة ومن دار في فلكهم.. وغيرهم من الفاسدين المفسدين… رغبة و طمعا أو رهبة و خشية. فتلك لعمري علامة من علامات قرب القيامة، و خصلة من خصال المنافقين الذين قال فيهم المولى عـز وجل:( إن المنافقين في الدرك الأسفـل من جهنم و لن تجد لهم نصيرا.) النساء- الآية 145  بل إن الله توعد أعمالهم بالإحباط، و سعيهم بالخيبة، و عاقبتهم بالقبور وسخط منه و عذاب شديد؛ فقال:( ذلِك بِأنَّهُم اتّبعُـوا ما أَسْخط اللَّهَ وكـرِهُوا رِضوانهُ فأَحْبـط أَعمَالهم. ) سورة محمد- الآية 28

مظاهر فساد العلماء و الحكماء

بالنظر إلى واقـع الحال نستطيع رصد مئات الشواهد و القرائن الظاهـرة الدالة على فساد   -عدد غير قليل- من أهـل العلم والعلماء في مجتمعنا المحلي والقومي، يتضح من خلال:

  • انصرافهما عن القيام بوظيفتهما الرسالية والاختلاط بعامة الناس من أجل تحسس همومهم و حل مشكلاتهم والصبر على أذاهم، بل إن الواجب يفرض عليهما الانحياز لقضايا الناس و السهر على خدمتهم كما كان الأنبياء والصالحين.. والقيام بالإرشاد إلى جادة الصواب، فضلا عن الاجتهاد في تولي وظيفة الإصلاح بين الناس و إفشاء الأمن والطمأنينة وجو الإخاء والسلام بينهم.. بدل العيش في الأبراج العاجية والتكبر و ربما احتقار الفئات الدنيا من خلق الله.
  • حمل عقدة السادية العنصرية تجاه الغير نجد ذلك خاصة لدى الغالبية من مدعي العلم و منتحلي صفات الخبراء والباحثين ، يضاف إليهم الأساتذة الدكاترة في الجامعات، الأطباء والحكماء، القضاة و المحامون، الكتاب و المثقفون، الإعلاميون والمهندسون… وغيرهم. ناهيك عن العديد ممن يسمون أنفسهم بالدعاة والمتفيهقين في الدين فتجد ديدنهم تخطئة مخالفيهم، تفسيق وتكفيـر عباد الله المؤمنين بحق و بغير وجه حق…     بدلا من الأخذ بأيديهم باليسر والرحمة إلى حضرة و مرفأ الإيمان وطريق الصلاح.. ؟؟

 

  • الانحطاط الأخلاقي وانهيار القيم المهنية في الوسط الجامعي، يتجلى ذلك من خلال تفشي ظواهر سلبية لا تشرف المنظومة الجامعية ولا رسالتها العلمية السامية..على غرار: الانحراف عن القيام بالعمل البيداغوجي-العلمي، الغش و السرقات العلمية، المحاباة و الابتزاز للمتعلمين، الصراع المحموم لأجل تولي المناصب الإدارية الصرفة و التخلي عن وظيفة البحث العلمي و الابتكار، و ما يتبع ذلك من ممارسة للمحسوبية والمحاباة، وتعاطي الرشاوى في التوظيف وسرقة المال العام، ناهيك عن تغذية وتأجيج الصراعات الشخصية المرضية، و النزعات الجهوية و العصبية.. فضلا عن ” الفساد الأخلاقي” و تفشي مظاهر الاستغلال الأخلاقي للطالبات من قبل المؤطرين في الوسط الجامعي – للأسف- ، وباقي سلوكيات الابتزاز والفضائح المروعة التي يندى لها الجبين. حتى كاد أن يتحول الفضاء الجامعي و إقاماته – لدى الشواذ نفسيا و أخلاقيا– عنوانا و مرتعا للرذيلة و إشباع الغـرائز البهيمية.

أما عن غش الطلبة في الامتحانات والمسابقات، ومنح العلامات وفق مقاييس غير علمية و تزوير المحاضر، السرقات العلمية المفضوحة لذوي الرتب العلمية العليا، و إعداد تقـارير الخبرة العلمية غير المستحقة في البحوث المنشورة، و الأطاريح و مذكــرات التخرج؛ المبنية على التنافس في تقديم المجاملات المنافقـة المنافية للأخلاق العلمية في المناقشات  و التأهيلات العلمية، و تبذير المال العـام في التظاهرات العلمية، المنح والخرجات العلمية السياحية، و تغليب منطق الولاء و المصلحة في العمل النقابي، و ممارسات الإصطفافات الإيديولوجية و الفكرية، و تحزيب الجامعة على هوى المسؤول و الوزير… كلها مظاهـر سلبية و فساد هالك لنخبة الجامعـة؛ حيث تكاد لا تستثني أحدا من: الأساتذة الدكـاترة عديمي الضمير و فاقدي المروءة ، عمداء الكليات و رؤساء المؤسسات الجامعية، مديرو المخابر البحثية و رؤساء تحرير المجلات العلمية، مسؤولي الأقسام و المعاهد، الأمناء العامون و رؤساء المصالح، الكتاب و الأعوان الامنيون.. دون أن ننسى الفساد المالي والأدبي لكثير من مديري الخدمات الجامعية و الاقامات و شركائهم الاقتصاديين…وغيرهم.

 

  • منح الشرعية و مشروعية البقاء للمسؤوليتين الفاشلين و السياسيين الفاسدين:

ذلك أن الكثير من ” الفسـاد المعنوي” المنتشر  المرتبط خاصة بانعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم، و تغـول الجهاز البيروقراطي، و تفشي مظـاهر المحسوبية والزبونية في تولي المناصب و المسؤوليات، و التزوير المنهجي للإرادة الحرة للمنتخبين.. فضلا عن ” الفساد المادي” و انتشار الرشوة و السرقات للمال العام.. و غيرها مما تمت الإشارة أعلاه؛ كلها تمثل ” جرائم موصوفة يتحمل وزرها الأكبـر أخلاقيا، مجتمعيا و قانونيافئة العلماء والحكماء” و ” النخب الجامعية ” كونها تمثل المرجعية الاولى السامية في المجتمع، و المصنع الأول لتخريج باقي النخب: التربوية و الثقافية، الإعلامية والسياسية، القانونية   والأمنية، الاقتصادية والاجتماعية، الدينية والأخلاقية، الشبابية والرياضية… هي – وليس غيرها– من يمنح التزكية والتوقيعات على الشهادات والمؤهلات الوظيفية، ويطلق لهم اليد الطولى للقيام بمختلف الوظائف و تولي المسؤوليات في الدولة والمجتمع. لذلك فاللوم الأول يعود عليها كما أن الوزر الأكبر يقع على عاتقها؛ خاصة إذا انكفأت على نفسها أو لاذت بالصمت و رضيت بالسكوت المخزي عما يجري من أفعال فاسدة مفسدة من قبل حكام العار و عصابة الأشرار، و من أحاط بهم من الفاسدين المفسدين من عديمي الشرف وخائني أمانة الشعب، و منتهكي شرف الوطن و قيم الإنسان.

تلكم – سادتي الأفاضل- حقيقة و عمق الفساد و الشر المستطير الذي نخر كيان الفرد والمجتمع، و انتشر و عم بصورة ممنهجة منظمة و محمية في مؤسسات الدولة و دواليب السلطة و التشريع… فأفسد حياة الجميع؛ بإدخالنا في أزمة أخلاقية مجتمعية و وطنية شاملة أولا، ثم مس إدارة الحكم والإدارة، و أتى على الثقافة والإعلام، الاقتصاد والاجتماع وباقي مناحي الحياة أخيرا.  حاولنا تتبعه الظاهرة- المرض تشخيصا و تحليلا و مقاربة نقدية في مختلف أبعادها: النفسية- التربية، الأخلاقية- القيمية، المادية والسياسية… رأينا أنه من مسؤوليتنا العلمية و واجبنا الوطني والأخلاقي التعريف بها ابتداء ثم التنبيه إلى خطورتها وانعكاساتها وأثارها المتعدية على الحاضر و المستقبل. دون ادعاء للطهر أو إعفاء للنفس من المسؤولية، و الذهاب في منحى الاتهام و الإدانة للغير أو المساس بحرمة الأشخاص و الهيئات… فقط هو تعبير عن استهجاني الشديد و رفضي المطلق للظاهرة- المرض من منطلق كوني إنسان و مواطن، أكاديمي مسؤول…  على أمل أن نفهم و نعي مسؤولياتنا، ونستفرغ الجهد والعمل المشترك، فنجتهد لتوحيد المواقف لمواجهة كل أنواع ومظاهر الفساد، و نقف صفا مرصوصا في وجه الفاسدين المفسدين جميعهم.. لأجل إعادة الثقة و الأمل لمواطنينا، و الذهاب مع كل الجزائريين المخلصين الشرفاء لبناء جزائر جديدة نظيفة متطورة ومزدهرة.. كما حلم بها الشهداء الأبرار، و تطلع إليها شبابنا المتعلم المتوثب لصناعة غد أفضل و مشرق. و ما ذلك على الله بعزيز.

 

* المنسق الوطني لمبادرة منتدى النخبة والكفاءات الوطنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى