أراء وتحاليلالرئيسيةبين الفكر والسياسةسلايدر

فيروس كورونا: ماذا لو لم ينهزم؟

لم يسبق أن رأينا للعالم في الحالة التي يوجد عليها منذ بضعة أيام، كما لو حلّت به كارثة تهدد عن قريب بإنهاء الوجود البشري على كوكب الأرض.

دخوله في حرب مباغتة ضد عدو خفيّ بحجم لا يجاوز الواحد من أربعة أو خمسة بلايين من المتر، اضطَرَّ العالم لتزويد الجبهة التي تشهد تساقط البشر يوميا و من جميع الجنسيات بالمئات ثم بالآلاف، فبعث بكتائب من مستخدًمي قطاع الصحة المسلحين بالتيرمومترات القديمة أو الكواشف الحرارية الحديثة، و التي تسمح بالتأكد من وجود العدو أو عدمه لكن دون أن تستطيع ضده شيئا. كل ما يملكه هؤلاء الجنود الشجعان من وسائل لحماية أنفسهم من العدو المجهري لا يعدو معاطفهم البيضاء والأقنعة التي تغطي أفواههم وأنوفهم.

كلما ازدادت قدرة العدو على التخفي كلما ازداد الرعب الذي يبعثه في النفوس. لذلك ضخّمت مخيّلة اللاوعي البشري خطر فيروس كورونا، و أعطته حجما يضاهي خطر الارتطام الوشيك لنيزك بحجم المريخ بكوكبنا، رغم أن عدد الوفيات المنسوبة إليه في الوقت الذي نشر فيه هذا المقال لم يتجاوز حوالي 7000 من أصل 200.000 إصابة، خلال ثلاثة أشهر و في 150 دولة. كم هو عدد من يموتون يوميا جراء الموت الطبيعي أو شتى الأمراض الأخرى في نفس هذه البلدان التي يعادل مجموع سكانها نصف البشرية؟ عددهم أكثر من ضحايا الفيروس بآلاف المرات!

ليست المشكلة في ما إذا كان الفيروس سيهزم أم لا، بل متى وبأي كلفة. على الصعيد البشري تتوالى البيانات بخصوص حصيلة ضحايا الوباء يوميا. لكن أفضل البلدان تجهيزا في العالم اكتشفت في غضون أيام قليلة حدود قدراتها الطبية والصحية في مواجهة هذا الوحش المفترس الذي اختار الكوكب بأكمله كميدان للصيد والجنس البشري بأكمله كفريسة، ما أجبر الأطباء على تغيير ترتيب  الأمراض في أولوية علاجها، و هو ما سيؤدي بدوره حتمًا إلى خسائر إضافية في الأرواح لن تظهر في سجلّ إحصائيات ضحايا كورونا. بالوتيرة التي يتقدم بها الوباء حاليا، اقترب الوقت الذي ستنهار فيه الأنظمة الطبية المعدّة في البلدان المتضررة لمحاربته و تغرق تحت ضغط عدد المرضى، مما سيتسبب في عودة أوبئة أخرى بسبب نقص الرعاية.

تجد البشرية نفسها اليوم في سباق ضد الزمن و ضد الموت، فالوقت لا يلعب لصالحها. لم يكتف الفيروس باختيار المكان والزمان فحسب بل يريد أن يغلق عليها ضمن خيارين كلاهما يُخسرُها و يُفيده، و كلاهما يُهدّدها بالفناء: فإما أن يموت الإنسان اختناقا بترك الفيروس يصيبه، و إما أن ينغلق على نفسه و يُحجر في بيته هرباً من الغزو. هذا الخيار الأخير، و إن كان تكتيكا ثبتت نجاعته عندما يستمر لبعض الوقت، فإنه لن يُحتمل من الناحية الاقتصادية والنفسية والسياسية إذا تجاوز حدًا معينًا.

يمكن عزل مجموعة من الأفراد و وضعها قيد الحجر لكن ليس الجنس البشري بأكمله. يمكن أن يقفل المرء على نفسه في مساحة معينة لفترة زمنية معقولة، لأربعين يومًا مثلا كما تشير إليه كلمة الحجر الصحي في الغرب ( Quarantaine )، لكن ليس إلى أجل غير مسمى. الحياة العصرية لن تسمح بذلك، و المجتمع سيفقد معناه وفائدته الحيوية فيتقهقر البشر حتى يعودوا إلى العيش الغريزي كما في الحياة البرية. فالإنسان حيوان اجتماعي وليس ذئبًا وحيدًا، بيد أنه حتى الذئاب تعيش في الواقع ضمن مجموعات و ليس في وحدة.

من الضروري النظر عن كثب و من قرب في إستراتيجية الحجر الصحي هذه، و استشارة علماء النفس و الاجتماع بخصوصها إن استدعى الأمر ذلك. فالطريقة أثبتت بالفعل نجاعتها في الصين، لكن الصين لا تضاهيها في الدول كل من تريد، بثقافتها الاجتماعية العريقة ونظامها السياسي الحازم وقدراتها الاقتصادية والمالية الخارقة التي يمكن أن تسمح لها بالعيش في عزلة و اكتفاء ذاتي.

العديد من الدول بما فيها الأكثر تقدمًا لن تصمد أمام عدة أشهر متتالية من الركود الاقتصادي و النقص في شتى أنواع السلع و الخدمات و تراجع النمو و البطالة، ناهيك عن الآثار النفسية التي يتسبب فيها الخمول والعزلة المستدامين. فحظر الخروج، و الحبس قيد المنازل والإقامة الجبرية هي قيود وعقوبات وليس عطلة.

لقد وجد العالم نفسه مضطرًا لحماية الحياة البشرية من غزو الفيروس حتى لو اقتضى ذلك تجميد الحياة الاقتصادية لفترة زمنية لا يتحكم في مدتها. حكوماته التي تعاني تحت وطأة الديون لا تملك من الخيارات إلا الهروب إلى الأمام: معارضة سياساتها المعهودة التي تهدف إلى إعادة ميزانياتها للطريق الصحيح من خلال التحكم و الترشيد في الإنفاق. لكنها الآن، وبسبب الخطر الذي يمثله الفيروس، تجد أنفسها أمام واجب تحمّل عبأ مئات الآلاف من الشركات و تدعيمها، ودفع الملايين من الرواتب دون مقابل إنتاجي، و إعادة تأميم كبريات الشركات.

شتى العمال والموظفين والإطارات أحيلوا تلقائيا إلى ما يشبه وضعية الإضراب العام و الشامل ريثما يجري تطوير دواء يحيّد آثار الفيروس، وهو ما لن يقلّ انتظاره عن السنة الكاملة، إضافة إلى الوقت الذي سيتطلّبه تطعيم البشرية جمعاء.

الكلفة المالية التي سيتطلبها إيقاف الوباء وتطوير الترياق ستكون ضئيلة، لكن تلك التي ستخلفها نتائج الإضراب العام الإجباري ستهوي باقتصاديات العالم بخطورة أكبر من تلك التي رافقت الأزمات الاقتصادية والمالية التي عاشها العالم بين 1929 و 2008. إذا لم يتمكن الخبراء من تحييد فيروس كورونا بعد بضعة أشهر من اليوم فإن الفوضى والفقر سيضيفان ما يخلّفانه من مواكب للوفيات إلى تلك التي سيفتك بها الفيروس. لكن عاجلا أم آجلا، سيلقى هذا الفيروس في النهاية نفس مصير الميكروبات والبكتيريا والعصيات والفيروسات المدمرة التي تمكن العلم من القضاء عليها.

يجب الاستعداد لهذه الفرضيات و المخاطر الحقيقية، ولاحتمالات تفاقم الأزمة. سيقتضي الأمر التشاور و العمل الجماعي على مستوى العالم بأسره، و تجنيد قدرات كل بلد من أجل المصلحة العالمية، و إعداد مخططات للطوارئ… سيتوجب علينا أن ندافع عن وطننا الكبير الذي أصبح هو الكوكب بأسره و لم يعد منزلنا أو وطننا أو ثقافتنا. فمصير الجنس البشري بأكمله هو ما أصبح اليوم على المحك.

يمكن أن نموت بأعداد كبيرة أو نعود عدة قرون إلى الوراء، لكن الجنس البشري الذي نجا من جميع الأخطار الكبيرة منها والصغيرة لن ينقرض، لأنه وحده من يعطي معنى لخلق الله في الكون. فكيف يكون الله دون الإنسان؟ كيف يكون النظام الشمسي دون الكوكب الأزرق، و أجمل معجزة ظهرت على سطحه خلال أربعة مليارات سنة من الوجود و هي الإنسان؟

نحن نعيش عصرا تشهد الإنسانية خلاله تمثيلاً ضعيفًا للغاية لها، على أعلى مستويات السياسة. في السابق و في الأوقات الصعبة، تمكنت دول أنجبت من رحمها رجال دولة ذوي رؤية و بصيرة، من الخروج من محن صعبة و من تحقيق تقدم واسع. التاريخ لا يزال يحفظ ذكرى هؤلاء. أما اليوم فيحلّ محلّ رجال التاريخ رجالُ حكايات جرى تنصيبهم على رأس الأمم، حتى العظيمة منها مثل أمريكا، و هو الشيء الذي يحول دون القدرة على تصوّر أي مستقبل مربح للبشرية،  سواء عبر إنقاذ الكوكب على المدى البعيد، أو هزيمة فيروس كورونا على مدى القريب العاجل.

و بينما اختارت حكومات العديد من الدول الإسلامية البداية من استنفار “علماء” الدّين ليأتوا بحجج تبرّرُ في أعين الشعوب قرارها بإغلاق المساجد، خشية أن تُتهم بمحاولتها إيداع الله قيد الحجر الصحي بقرارها ذلك، فإن فيروس كورونا يطارده علماء حقيقيون يعملون دون هوادة في مختبرات عدة بلدان، بهدف إنقاذ البشرية ومعها نظرائهم من “علماء” المسلمين، من الخطر الذي يتربص بهم جميعا… كان الله في عونهم في ذلك!

بقلم نور الدين بوكروح

ترجمة وليد بوكروح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى