بين الفكر والسياسة

لــغز ينـــاير…

بقلم: نورالدين بوكروح

غاص بي يناير هذه السنة، وعلى غير العادة، في تأملات أردت تقاسمها مع القراء كما جالت بخاطري. من الغريب أن يطلعنا احد أيام هذا الشهر المبارك أننا في سنة 2966، إذ يستحيل أن تجد حضارة تجاوزت رزنامتها الحالية التقويم الأمازيغي. لو تأملنا الرقم عن قرب، لفكرنا في فيلم من الخيال العلمي، كما لو كنا سابقين العالم المعاصر بألفية كاملة. ترى ماذا فعلنا حتى نكون على رأس قافلة “الإنسان العاقل” « Homo sapiens، هل انطلقنا في مسيرة التاريخ قبل الجميع و بألفية كاملة ؟ هل بدأنا التقويم قبل “الإنسان المنتصب” Homo erectus ( إنسان العصر الحجري القديم منتصب القامة) ؟

سألت حولي فلم يتذكر أحد أنه قرأ عن الموضوع قبلا. راجعت الموسوعات القديمة، بحثت في الانترنيت لكني لم أجد أدنى إشارة إلى تفرّد للأمازيغ في أي حقبة من التطور البيولوجي، الأنتروبولوجي أو التكنولوجي. لم يهاجروا كما يفعلون اليوم ولم يحتلوا أراضٍ أخرى ولم يغيروا مجرى التاريخ في أي فترة منه. لم تكن نظرية “انحناء الزمكان” ولا احتمالية اختراق “الثقوب الدودية”  (trous de ver)لإختصار الزمن قد اكتُشفت قبل القرن العشرين.

من جهة أخرى، ماذا فعلنا بهذه الأسبقية الزمنية الرائعة عن باقي الحضارات؟ لأننا لو محونا من ذاكرتنا أثار التواجد الفرنسي، العثماني، العربي و الروماني، لا يبقى سوى عمل الطبيعة السخي. نحن لم نشيد شيئا، لم نرتقي بشيء، لم نكتشف على الصعيد العلمي أي شيء، تقنيا لم نخترع شيئا… لن يملئ جرد بسيط لميراثنا من المهارات، الوسائل ، الثياب والأطباق التي أبدعتها عبقريتنا سوى بضع صفحات كراسٍ مدرسي. نعلم جيدا أننا لم نصل إلى القرن العشرين إلاّ بأقدام حافية ،و برغبة قوية لا زالت تداعب فئة كبيرة من شعبنا للعودة ليس لسنة محددة في التاريخ الميلادي، ولا إلى سنة 1437 من التاريخ الهجري، و لكن إلى فترة أبي هريرة، بل ربما إلى ما قبل الهجرة.

في التقويم العالمي، سنة 2966، أي خلال 950 سنة القادمة، ستعمر الإنسانية العديد من الكواكب دون أدنى شك، و لن يبقى الكائن البشري على ما هو عليه اليوم، كما يستحيل التنبؤ بما قد يكون عليه النظام الشمسي، المجرة أو الكون. كل التطورات التكنولوجية التي ترتكز عليها الحياة الحالية لم تكن موجودة قبل خمسين سنة من قبل. ولو زالت، فالبشرية كلها ستغرق في الفوضى.  فلنتذكر فقط ما كانت عليه في عام 1066.

ليس معقولا، بل كثيرٌ جدّا علينا أن نكون بهذه الأسبقية ! لو أردنا العودة للخلف للالتحاق ب”المتأخرين” ، فلن نتمكن أبدا من إيجاد طريقنا حتى لو استعنا بحجريات “عقلة الأصبع” (le petit Poucet). أنا شخصيا محرج لأن ليس لدينا مواصفات أو خصوصيات السبّاقين، الرواد أو المكتشفين.أعتقد أنه علينا أن نضع أقدامنا على الأرض، وأن نغرد داخل السرب، كوننا في القمة يثير الهلع بل و يبدو أمرا خارقا للعادة… ألا يمكن أن يكون لجحا دور في الموضوع؟ ألا يستطيع السيد بلحمر أن ينوّرنا نظرا لملكة النظرة المزدوجة و الثاقبة التي يتمتع بها؟

يُثقل تاريخُنا حاضرَنا كما تُجهد الخطيئةُ الضميرَ الحي. وتتناقض أقدميتنا مع عدميتنا في التاريخ، فنحن لم نقدم شيئا يذكر لا لأنفسنا و لا للتاريخ. ثلاث ألفيات بدون فائدة تذكر ! يبدو أن تاريخنا ركز فقط على الثلاث أرباع الأخيرة من القرن، فهو واضح كل الوضوح منذ 8 ماي 1945 و يفترض أن ينتهي مع نهاية البترول. قبلها كنا في صراعات من محتل إلى آخر، لكن منذ مؤتمر الصومام بدأت تتضح الصورة أفضل: هو صراع فيما بيننا.

بعد اكتشافاتنا المثيرة للإشمئزاز لكواليس ثورتنا التي تتوضح شيئا فشيئا منذ الإستقلال، هاهو الوشاح يكشف عن الفترة الممتدة ما بين 1988 و 1992 و ربما عما هو أبعد من ذلك.عندما نعي من و كيف يحكمنا قد نفهم سبب لا تاريخيتنا ، ضعف ماضينا و هشاشة حاضرنا. لقد استولى القراصنة على سفينة ” الجزائر” و سيطروا عليها و هم أقرب إلى إغراقها من إعادتها لأصحابها. لحسن الحظ ، بدأ كل واحد من هؤلاء بكشف دوره في الأزمات المأساوية للوطن.

حسب بتشين، زروال لم يستقيل لكنه أُجبر على ترك منصبه. وأتمنى أن يواصل ما بدأ، فالأمر يهمني شخصيا على اعتبار أن إسمي اقترن برحيل زروال منذ حوالي 20 سنة ، و رغم أني رددت مرارا أن لا علاقة لي بالموضوع، وأن البحث عن أسباب رحيله لا يكون إلا “فيما بينهم”، لا يزال بعض الصحافيين يلعبون دور من يملك “الحقيقة الكاملة” يتشبثون و بإصرار أنه كان لي دور في القصة. فهل حدث في تاريخ الجزائر أن استقال وزير أو رئيس لأن الصحافة انتقدته؟ هل يستطيع القلم أن يسقط أيًا كان في بلد مثل الجزائر؟

تبدو54 سنة مدة طويلة، لكن أحد من لعب دورا في كواليس الثورة الجزائرية لا يزال إلى اليوم في هرم السلطة، شبيه هايغلندر !Highlander،حاله اليوم كحال الجزائر: هو فوق كرسي متحرك و هي على طاولة الإنعاش .أصبح الدستور خلال فترة حكمه قانونا على مقاس رجل واحد باسم الشعب يحتاط به من معارضة هذا الأخير نفسه. لن تعني السياسة ، الانتخاب أو الأغلبية البرلمانية شيئا بعد إدخال التعديلات المبرمجة .الزمن لم يتوقف بالنسبة للمارتين (Lamartine)، لكن للجزائريين بلى و ذلك  منذ  2966 سنة. ما هو  الفرق أن نكون في السنة الأولى من تاريخ البشرية أو في السنة 3966؟ إلتهم بوتفليقة بمفرده تاريخنا المعاصر ! ومن الأرجح أن لا يكون لنا تاريخ إطلاقا بعده لأننا سندفن في التبعات التي سنرثها عنه.

طرحت منذ فترة سؤالا أثار جدلا: “ماذا لو أصبحت الجزائر كلها بلاد القبائل؟”. ومع نشوة النجاح الذي حققه سؤالي، أريد أن أضيف:” ماذا لو أصبح كل الجزائريين قبائل؟” الفائدة الأولى التي سنحصلها هو أنه لن يعود هناك أي سبب للمطالبة باستقلال القبائل. أما الثانية، فهي أننا سنجمع على التخلص من النظام الذي دفع فرحات مهني للمطالبة بالانفصال. في هذه الحالة، هل ستحتفظ الجزائر باسمها أم ستستبدله باسم القبائل؟

لا يُتحدث باللغة الأمازيغية سوى في منطقة القبائل، الأوراس، شرشال، غرداية والهقار. أما باقي المناطق فلا. و حتى هذه المناطق التي لطالما تحدثت نفس اللغة الأم مع فروق بسيطة، يفصل بينها مئات بل آلاف الكيلومترات. فكيف نفسر أن التبعثر الجغرافي لم يمنع التوحد اللغوي؟ في المقابل، لماذا لا تتحدث كل من جيجل ،سطيف، برج بوعريريج والجزائر العاصمة القبائلية إلا قليلا بالرغم من أن حدودها تتاخم بلاد القبائل؟

ماذا كانت تتحدث باقي مناطق وسط، جنوب، شرق وغرب البلاد قبل دخول اللغة العربية ابتداءا من القرن الثامن، والتي تحولت إلى “الدارجة” فيما بعد ؟ اللاتينية ؟ لهجات محلية اندثرت؟ هل كانوا لا يتخاطبون نهائيا؟ ربما قد يفسر هذا الظاهرة الغريبة التي يعبر بها الكثير منا، فمن محاكاة صوتية إلى ايماءات أو تعابير الوجه التي تسمح بإيصال ما نريد: عبوس الوجه، تقطيب الحاجبين، اللعب بالجفون، تشنج الخدود، حركات الشفاه… هناك فرضية أخرى: هل كانت المناطق التي لا يقطنها البربر غير آهلة بالسكان؟ على كلّ، كانت لدينا لغة واحدة رسمية وأخرى شبه رسمية، الفرنسية، ماذا سيتغير ولدينا الآن لغتين رسميتين ؟

في سياق آخر،أي ديانة إعتنقها أجدادنا قبل الإسلام؟ هل كنا، مع انعدام أي أثر للهندوسية، البراهمية أوالبوذية في كامل قطرنا، يهود، مسيحيين، وثنيين أو يصدق فينا ما نتداوله عادة “بلا دين ولا ملة” ؟ رسم الكاتب الجزائري علي الحمامي في روايته ” إدريس” صورة  لأسلافنا قبل دخولهم في الإسلام: “بقي البربري كما شكلته الطبيعة على عتبة تكوين أولى الجماعات الإنسانية. كان يعيش في القبيلة متفردا رغم خضوعه لقانونها، فوضوي في مزاجه كما في طبعه، مولوعا بالحرية إلى درجة أنه يفضل الحياة البدائية في الخوالي على الأمن في المجتمعات المنظمة.  لقد عاش إلى ظهور الإسلام بدون نظام أو تسلسل هرمي، في المجمل طبعا. كان لادينيا، لم يؤمن يوما بجدية بأي شيء و لم يخف من أي كان. محبُ للطبيعة ، متفرج غير مكترث بالظواهر المحيطة به، حذر ومندفع . لم تتجسد حياته الدينية في منهاج منتظم، معتقده لم يكن بالقوة التي تسمح لعلم الآثار أن يستخرج دلائل حسية عن عباداته فلا هي توضح إذا ما قدم القرابين للأوثان أو عبد بعض ظواهر الطبيعة .”

اعتقدنا طويلا أننا عرب و جزء مكمل للعالم  العربي كما كان يؤكده دائما الخطاب و الوثائق الرسمية. منذ بضعة عشريات، إستفقنا على أمازيغيتنا وحلمنا بتتويجها بإنشاء “تامازغا“، اتحاد بلدان إفريقيا الشمالية المدفوع بالرغبة لاسترجاع هويتها التاريخية وسيادتها، متضامنا وقادرا على النجاح حيث أخفق اتحاد المغرب العربي. كما فعل بلدان الجزيرة العربية مع مجلس التعاون الخليجي. لأن العالم العربي الذي كان مستعمرا أو خاضعا للانتداب دخل مرحلة جديدة وهي تدميره الذاتي. لكن هل يمكن تصوره بمشكل الصحراء الغربية او بدونه؟

نحن إداريا وقانونيا شعب واحد، لكن ثقافيا و كذهنيات شعوب عديدة، أحيانا غرباء عن بعضنا البعض.”الشعوب ليست وحدات لغوية، سياسية أو حيوانية، لكن وحدات نفسية .الشعب هو وحدة الروح. لم تكن أكبر الأحداث التاريخية آثارا للشعوب لكنها هي من أنتجت هذه الشعوب أولا. لم تكن وحدة اللغة ولا السلالة قطعية. ما يميز شعبا عن طائفة، هو دائما الارتقاء الداخلي ل” نحن” . فكلما كان هذا الشعور عميقا، كانت قوة الترابط حيوية ومتينة “.

يُعتبرهذا التعريف للفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر  (Oswald Spengler)أفضل وأصح تعريف لمفهوم الشعب.لأنه يقترح رؤية جديدة تؤكد واقع الأمم الكبرى في العالم، حيث “الرغبة في العيش معا” و “الإنجاز المشترك” دون الحاجة لرابط وحدة فعلي. لكن ألا يُخالف هذا التعريف معتقداتنا الجديدة؟  يبقى السؤال مطروحا.

ترجمة: س.عايـــدة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى