أراء وتحاليلالجزائرالرئيسيةسلايدر

من المهازل الانتقالية في ماضينا القريب

يوم 6 مارس 1997، قبل ثلاثة أشهر بالضبط من موعد الانتخابات التشريعية المقررّة في شهر جوان من نفس السنة، قام اليمين زروال، الرئيس «المنتخب» قبلها بسنتين، بإصدار خمسة قوانين في نفس اليوم تتعلّق بما يلي:

  • استدعاء الكتلة الناخبة (المرسوم الرئاسي رقم 97/57)
  • القانون العضوي المتعلقبالأحزاب السياسية (الأمر الرئاسي رقم 97/09)
  • القانون العضوي المتعلق بالنظام الانتخابي ( الأمر الرئاسي رقم 97/07)
  • القانون المتعلق بتقسيم الدوائر الانتخابية و تحديد عدد المقاعد البرلمانية المتنافس عليها (الأمر الرئاسي رقم 97/08)
  • تنصيب اللجنة الوطنية لتنظيم و مراقبة الانتخابات (المرسوم الرئاسي رقم 97/58).

و قد أصدر الرئيس هذه القوانين الخمسة بأوامر و مراسيم رئاسية، ما يعني أنه قام بسنّها استنادا لسلطته وحده، دون أن يكلّف نفسه عناء اللجوء إلى المجلس الوطني الانتقالي (الذي كان برلمانا انتقاليا «توافقيا» دامت عهدته من 1994 إلى تشريعيات 1997)، و لا لأي هيئة انتقالية أخرى.

السبب الذي مكّن زروال من الانفراد بالقرار و تجاهل المؤسسات الأخرى (خاصة التشريعية منها) هو أن هذه الأخيرة كانت ضعيفة بفقدانها للشرعية الشعبية، لا سيما بعدما حصل هو على ذات الشرعية من خلال رئاسيات 1995. أمّا المؤسسات الانتقالية، فهي لم تنتخب من قبل الشعب بل نصّبت بالتوافق بين «القوى السياسية و الاجتماعية «  و «المجتمع المدني» غداة ندوة الوفاق الوطني التي عقدت في 1994. و هذا ما جعل منها في الواقع مجرّد ديكور مدني لمرحلة حَكَمَ خلالها الجيش البلاد طيلة خمس سنوات، خلف الستار الشّكلي الذي كانت تمثله هذه »المؤسسات «  في الواقع.

لهذا السبب لم يكن زروال يتردّد في إقصائها و تعوّد ألّا يُشرك في القرارات الهامة آنذاك إلّا قيادة الجيش التي كانت الحاكم الفعلي للبلاد.

في الحالة التي نذكرها اليوم على سبيل المثال، نلاحظ أنّه قرّر بمفرده بأن يستدعي الشعب ليصوّت، و قام بتحديد القواعد التي ستحكم اللعبة الانتخابية و الكيفية التي يمكن من خلالها المشاركة و الفوز أو الخسارة، و شروط المشاركة فيها سواء كمرشح أو كناخب، و تقسيم الدوائر و المقاعد التي يُنتخب عليها، ثمّ عيّن أخيرا الهيئة التي ستراقب و تنظم اللعبة. كل هذا في يوم واحد ! ضف إلى ذلك أنه قام بضعة أيام قبل ذلك (في 21 فيفري 1997)، بمعية أويحي و بن صالح، بتأسيس حزبه الجديد الذي فاز بهذه التشريعيات و هو الأرندي.

لو شبهنا العملية بمباراة كرة قدم، لقلنا أن صاحب الملعب قد قرّر بطريقة أحادية، في يوم واحد، و قبل ساعات من صافرة البداية استدعاء الجمهور و اللاعبين، و قام بتحديد تاريخ المقابلة و قواعد اللعبة، و كيفية تقسيم الملعب و توزع اللاعبين داخله، و قام بتعيين الحكّام، و إملاء ما يجب أن يتوفّر لدى اللاعبين من شروط إذا ما أرادوا المشاركة أو حتى التحضير لها، و أخيرا أخرج من جيبه الفريق الذي سيفور بالمباراة بالرغم من أنه بدأ مسيرته الكروية عشية إجرائها!

يمكننا أن نذكّر من كان يعيش في كوكب آخر خلال الثلاثين سنة الماضية بأن انتخابات 5 جوان 1997 ترتبت عنها بصفة مباشرة ثلاثة نتائج مصيرية لمستقبل البلاد و هي:

  • نهاية المرحلة الانتقالية التي دخلتها الجزائر بتوقيف المسار الانتخابي (و العمل بالدستور) قبل ذلك بخمس سنوات، بإعادتنا إلى نقطة البداية،
  • الانطلاق الفعلي لمسيرة أويحي على رأس الحكومة التي لم يبرحها منذ ذلك الحين إلى أن طرده الحراك منها منذ أسابيع قليلة، بعد 22 سنة من حكم دمّر خلاله الجزائر من جميع الجوانب،
  • التأسيس للتزوير الانتخابي كممارسة عادية و علنية في جميع الانتخابات التي عرفتها الجزائر منذ ذلك الحين.

بعد كل هذا، يعود دعاة المراحل الانتقالية ليقولوا لنا اليوم: « فلنعد التجربة، ربما ستنجح هذه المرة « ! . و هو ما لا يسعنا أن نجيب عنه بأكثر من التعريف الذي وضعه أينشتاين للجنون:  »هو فعل نفس الشيء مرارا و انتظار نتائج مختلفة «

هذا و أنصح كل من يتساءل لماذا يطالب هؤلاء بذلك اليوم، بأن يتصفّح قائمة أسماء من كانوا يشكّلون المجلس و الحكومة الانتقاليين خلال التسعينيات و هي متوفرة على الانترنت، و سيجد جوابه هناك.

بوكروح وليد

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم