الجزائرالرئيسيةسلايدر

نص مبـادرة:”منتدى النخبة و الكفاءات الوطنية ” 

الديبـاجـة
لقد خاض الشعب الجزائري عبر تاريخه الطويل كفاحا مريرا من أجل الدفاع عن حريته و كرامته الشخصية و الوطنية ضد الغزاة الطامعين المستعمرين قديما و حديثا، كما بذل الغالي والنفيس للحفاظ على هويته وشخصيته القومية والحضارية بأبعـادها الكبرى الثلاثة: الإسلام و الأمازيغية و العـربية.. ضمانا لتماسكه و تضامنه الاجتماعي، و تعزيزا للحمة الوطنية.  ولم يتخلف يوما في الطموح من أجل العيش في كنف دولته المستقلة الضامنة للحقوق والحريات، وسيادة دولة الحق والقانون؛ إشاعة ثقافة السلم الأهلي والعيش المشترك

وتشكل الحقبة الاستعمارية الاستيطانية الفرنسية أعنف وأشد المراحل قساوة وأسواها أثرا في تاريخه الحديث والمعاصر، كما تمثل العنوان الأبرز ورصيدا للنضال والكفاح الوطني من اجل تحرير الإنسان والأرض و الشرف.. فضلا عن المقدرات الوطنية. وشكل اندلاع ثورة الفاتح من نوفمبر1954م ( أم الثورات و أكبرها) بداية النهاية الفعلية لحكم المستعمر وظلمه؛ حيث توجت – بعد كفاح مرير وتضحيات جسام- باسترجاع الاستقلال الوطني في05 جويلية 1962، وتأسيس الدولة الوطنية الجزائرية المستقبلية؛ تلك التي جعلت من مشروع استكمال بناء الوطن و سيادة الشعب مشروعا قائما بذاته لأجل إنهاء الوصاية الفرنسية على الجزائر حاضرا و مستقبلا.

و بالرغم مما تحقق من إنجازات و مكاسب معتبرة في سبيل تجسيد المشروع الوطني الأصيل بداية من الاستقلال عام 1962م إلى اليوم… إلا أن عيوبا كثيرة و نقائص جمة     لا تزال قائمة: لغويا و ثقافيا، اقتصاديا و سياسيا.. فضلا عن ضبابية كثيفة حول مشروع المجتمع وطبيعة وهوية الدولة الوطنية. ناهيك عن الهبات الشعبية والمحاولات المتكررة لأجل إصلاح الأوضاع وتقويم المسيرة الوطنية؛ توجت بقيام حراك الشعب في 22 فيفري 2019 وثورته السلمية البيضاء التي لا تزال مستمرة حتى اليوم.في جمعته17 المباركة.
لكن للأسف فأن القائمين على الحكم المتعاقبين على السلطة أدمنوا – لمدة طويلة – اختطاف الدولة و احتكار السلطة وممارسة الاستبداد فضلا عن الإقصاء والتهميش المقصود المفضوح !؟ نجم عن كل ذلك نهب ممنهج للمال العام و إهدار متعمد للثروة الوطنية؛ و تعميم الفساد؛ حتى أصبح له “عصابة” تحميه و “أجهزة” في الدولة ترعاه فامتد وعم طول البلاد وعرضه دون رقابة من ضمير أو احترام للقانون والعقد الاجتماعي الانتخابي القائم بين الشعب و السلطة؛ هذا فضلا عن التنكر وإدارة الظهر لوديعة الشهداء الأبرار !؟…  تجلى ذلك للعيان في صورة انتهاكات صريحة ومستمرة لأحكام دستور البلاد و قوانين الجمهورية؛ خاصة خلال 20 سنة الأخيرة من حكم الرئيس المستقيل

  الحراك الشعبي… و الثورة السلمية الوطنية المستمرة
تحيا الجزائر هبة شعبية وحراكا وطنيا غير مسبوقين منذ 22 فيفري الفارط وعلى مدار 17جمعة من المسيرات الوطنية المليونية السلمية التي خرجت في كل المدن الكبرى في طول البلاد و عرضها؛ مطالبة بتغيير منظومة الحكم القائمة رافضة للعهدة الخامسة و التمديد للرئيس المستقيل -بعد تفعيل نص المادة 102 من دستور البلاد.- حيث انخرط  و شارك في هذا الحراك الشعبي كل الجزائريين و فئاتهم العمرية و القطاعية وخاصة فئة الشباب و صفوتها الطلابية؛ مسجلين بذلك العودة الفاعلة للمشاركة في صناعة التغيير المنشود، ولعب الدور المنوط بالجميع في تحرير الوعي الجمعي و فرض السيادة الشعبية و سلطته في اختيار طبيعة النظام الذي يحكمه، فضلا عن تزكية الرجال والسياسات و البرامج التي يجب أن يتم من خلالها إدارة الشأن العام بنزاهة و كفاءة.
نؤكد – في هذا الصدد- كما نثمن بفخر و اعتزاز الدور الوطني الحيوي الذي لعبته المؤسسة العسكرية المحدد لها دستوريا بنص المادة 28؛ حيث لا تزال ملتزمة بالقيام بواجبها الوطني في حماية الحدود الوطنية و الحفاظ على السلم الأهلي… و سجلت مؤسسة الجيش الوطني الشعبي – في سابقة لم تشهدها جيوش الجوار والإقليم العربي كله- انحيازا للإرادة الشعبية ومرافقة عقلانية للحراك الشعبي وتأطيره أمنيا لحمايته من الانزلاقات و الاختراقات المشبوهة المحتملة من كل العناصر و الجهات المغرضة، أو المدسوسة المدعومة من الداخل و الخارج؛ تلك التي لا تحب أن ترى جزائر مستقرة آمنة، و لا الخير و السلام لشعبها..  بذلك أثبت أنها مؤسسة شعبية جمهورية قولا وعملا، بعقيدتها النوفمبرية، و أصالتها التاريخية الوطنية… و من خلال تلاحمها بل تناغمها الخلاق مع الشعب في دعم مطالبه العقلانية و خياراته المتبصرة السيدة. بفضل هذا الانحياز والمرافقة والحماية للحراك الشعبي تحققت مكاسب وطنية كبيرة وهامة لم تكن لتتحقق لولا التجسيد العملي لشعار: ” جيش شعب.. خـاوة خـاوة. “
 في ظل هذا الزخم المتزايد للحراك الشعبي و استمرار الأزمة السياسية و حالة التجاذب مع السلطة و تمسك عناصر الدولة العميقة و حلفاءها بالسلطة، و نتيجة لغياب مناخ ايجابي لتعزيز الثقةالذي نخشى أن يدفع لا قدر الله إلى الانسداد و القطيعةمع فقدان التفاعل الجدي المسؤول من قبل النخب والكفاءات الوطنية تجاه الازمة القائمة… وكذا عدم القدرة على الإقناع و صناعة التوافق حيال أغلب المبادرات السياسية المطروحة في الساحة من قبل السلطة أو من بعض أطراف المعارضة و الشخصيات الوطنية..!؟

   في هذه الأجواء غير المطمئنة تكون إيماننا الصادق بضرورة الانخراط الايجابي للمساهمة في اقتراح مبادرة: منتدى النخبة و الكفاءات الوطنية عساها تكون لبنة ايجابية و تقرب بكل نزاهة و تجرد و واقعية في حلحلة عناصر الأزمة، فضلا عن بحث مفاتيح حلول للخروج من الأزمة الراهنة، و تفعيل الحوار الوطني من أجل الانخراط في العمل المشترك لتحقيق التحول الديمقراطي السلس الآمنلبناء جزائر جديدة تتسع لكل أبنائها المخلصين. ناهيك عن التطلع لجمع النخب والكفاءات وكل الخبرات الوطنية لتمكينها من القيام بواجبها الوطني و أداء دورها الحيوي في فتح النقاش الوطني البناء استنادا الى الدستور وقراءة لمعطيات الواقع الموضوعي للبلاد و مراعاة للتحديات والمخاطر القائمة.. لأجل الحفاظ على استمرارية و استقرار مؤسسات الدولة و توازناتها، و ضمان السلم الأهلي للمواطنين.

محددات مرجعية لمبادرة: منتدى النخبة والكـفاءات الوطنية

  • الطابع المدني التكـنوقــراطي للمبادرة-المنتـدى و الابتعاد عن الأدلجة و التحزب..
  • التقيد بالمرجعية الدستورية والقانونية مع الاجتهاد السياسي و الطابع الوطني.
  • الالتزام بمطالب الحراك و أولوياتها في سياق التفـاعـل مع روحها بعيدا عن الشعبوية و المزاجية.. لضمان تغيير سلس و موضوعي نحو انجاز التحول الديمقراطي؛ والمساهمة الجادة فى بحث و اقتراح مخارج حلول للازمة القائمة.
  • اعتماد مبدأ ونهج الحوار الوطني كسبيل للتوافق، مع الانفتاح على كل المبادرات الجادة والمسؤولية التي تقاسمنا المرجعية ورؤية الحل للازمة في الإطار الدستوري.

البنود الأساسية المقترحة في المبادرة:
1- جمع أكبر عدد من النخب الجامعية و الكفاءات الوطنيين والمثقفين في منتدى وطني باسم “منتدى النخب و الكفاءات الوطنية” كفضاء للالتقاء و التشاور و صياغة رؤية و أرضية سياسية للحل، مع العمل على نشرها على نطاق واسع.. و جمع توقيعات المساندة لها لأجل تجسيد بنودها.
2- بحث مخرج دستوري يرافقه الاجتهاد السياسي الذي يفضي إلى تحقيق توافق وطني، يمكن من فك عقدة الأزمة الحالية، مع اقتراح آليات و ميكانيزمات عمليه.. تلبية لمطالب الحراك الشعبي و خدمة للمصلحة الوطنية العليا.

3- الدعوة إلى الانخراط في الحوار الوطني – باعتباره الأداة المثلى الناجعة – بين مؤسسات الدولة القائمة من جهة، و ممثلي الحراك والطبقة السياسية و الشخصيات الوطنية و كل النشطاء الفاعلين… مع الاجتهاد في القيام بدور الوسيط النزيه الفاعل بين  كل الأطراف دون إقصاء.
4إعطاء الأولوية لبحث موضوع انتخاب رئيس الجمهورية القادم كما ينص عليه الدستور، مع واجب توفير الشروط والآليات القانونية-السياسية الضامنة، وتعبئة الظروف المادية واللوجستيكية الكفيلة بتفعيل المادتين 7 و8 من الدستور؛ لتجسيد الإرادة الشعبية و سلطته في الاختيار الحر الشفاف يوم الاقتراع واحترام وحماية نتائج الصندوق.

  • التعجيل في الإسراع في تشكيل هيئة وطنية مستقلة للتنظيم و الإشراف و التأطير المراقبة و إعلان النتائج النهائية للاقتراع. منبثقة عن حوار وطني شامل بين كل أطراف العملية الانتخابية؛ ترأسها شخصية وطنية ذات مصداقية وقبول شعبيعلى أن يكون حصة تمثيل الكفاءات الوطنية – خاصة القضاة والأكاديميين- الغالبة. وتتولى الهيئة التحضير اللوجستيكي (القانوني والتنظيمي و الإجرائي..) للذهاب الى الانتخابات الرئاسية في الموعد المتفق عليه من قبل الأطراف المتحاورة.

في هذا الإطار نقترح تصور أولي لآليات و ميكانزمات تجسيد بنود المبادرة.. وفق الخطوات التالية:
أ- دعوة مؤسسة الجيش الوطني الشعبي لتكون طرفا داعما و ضامنا للحل السياسي المتوافق علية مع الشريك الأمين الذي يرضى عنه الحراك، و يكون محل الثقة لتسلم الحكم و التعهد بالحفاظ على البلاد من تلاعب العصابة، و تدخل الأطراف الخارجية.
و يمكن لها أن تقترح ممثلين عنها في الحوار الوطني للقيام بدور الرقابة الضامنة لتطبيق الحل المتفق عليه، و احترام نتائج الاقتراع الشعبي الحر الشفاف.. هذا مع مطالبتها بالاستمرار في دعم الحراك الشعبي حماية ومرافقة باعتباره الحاضنة وأساس العملية السياسية و مصدر كل السلطات كما ينص الدستور.
ب – اتخاذ إجراءات عاجلة لبناء الثقة بين أطراف العملية السياسية في مقدمتها:

إجراء تعديل حكومي جوهري و عميق – استجابة لمطلب الحراك الشعبي و كذا مقترح معظم الطبقة السياسية و النشطاء-  تبدأ بتقديم رئيس الحكومة الحالي استقالته ثم الاتفاق  على تعيين كفاءة وطنية تكنوقراطية محايدة ذات مصداقية و خبرة، تتولى بعد تنصيبها إجراء تغييرا أفقيا واسعا في الحقائب الوزارية؛ تمس بصفة خاصة أسماء الذين لهم ارتباط بالقوى غير الدستورية، ورؤوس الفساد المتابعين قضائيا، أو أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم بالتزوير لإرادة الناخبين و ذوي السمعة السيئة وظيفيا و أخلاقياعلى غرار وزارات: الداخلية، الاتصال، الصناعة، التربية و الثقافة، تكنولوجيات الاتصال و الإعلام، النقل، والصحة… و غيرها.
ج – عقد ندوة وطنية جامعة لكل الأطياف السياسية والقوى المدنية الفاعلة و الشخصيات الوطنية؛ بمشاركة شباب الحراك والنشطاء إلى جانب تمثيل مؤسسات الدولة المعنية.. يكون موضوعها الأساسي هو: مناقشة مشروع و برنامج الانتقال الديمقراطي، و الاتفاق على ورش الإصلاح القادمة لبناء الجزائر الجديدة.. تتوج أعمال الندوة بتوقيع ميثاق عقد وطني جامع يلتزم به الجميع. و يتولى رئيس الجمهورية المنتخب عرضه على الشعب   في استفتاء عام، كما يتعهد بالعمل على تجسيد الميثاق الموقع بعد تزكيته من قبل الشعب.

د – العمل على استكمال تحرير العدالة واستقلاليتها من كل التدخلات والضغوط، و حماية القضاة  مع منحهم الضمانات الحقيقية التي تكفل لهم القيام بعملهم بكل حرية ضمير و التزام بالقانون دون سواهما.. و جعل ملف محاربة الفساد و متابعة المفسدين، و استرجاع أموال الشعب المنهوبة مع حماية الثروة الوطنية من التلاعب والنهب.. مشروعا وطنيا قائما بذاته يجب تجسيده.
هـ – التزام كل أطراف الحوار الوطني و خاصة السلطة الفعلية القائمة بدعم الحراك الشعبي و استمراره كمكسب وطني جامع، و تجند الجميع لتوفير الإمكانيات الوطنية لخدمته حتى يقوم الحراك بدور القوة الضاغطة المراقبة للجميع و التأكد من مدى التزام أطراف الحل السياسي – مع المؤسسة العسكرية- بدورهم في إنجاح مشروع التحول الديمقراطي المتوافق عليه.. سعيا لبناء نظام حكم مدني لجزائر جديدة لكل الجزائريين.

جزائر المرجعية الوطنية الأصيلة المتعهدة لأمانة الشهداء، المحافظة على الاستقلال والسيادة و الثروة الوطنية.. جزائر منفتحة على التطور و العصرنة بفلسفة برغماتية ومنطق الدولة الراعي للمصالح العليا للوطن، المحترمة لاتفاقات التعاون المشترك مع  كل الشركاء الدوليين.

هذه ورقة مقترحة كمبادرة لمواطنين جزائريين و أكاديميين و مثقفين وإطارات وطنية، وكفاءات شبابية طموحة و متوثبة.. أملتها عليهم ضمائرنا الحية دفعت لطرحها الانتماء الوطني و حس المواطنة الفاعلة… تحسسها لواجب المرحلة والوقت اللذان يفرضان   على كل جزائري مخلص غيور ضرورة المساهمة في بحث الحل للأزمة القائمة.

نضعها بين أيدي كل أبناء الوطن المخلصين الغيورين، و نناشد من خلالها كل النخب الوطنية والكفاءات النزيهة و شباب الحراك، وعموم أفراد الشعب الجزائري من النساء والرجال… كلنا ثقة وأمل في أن تنال الثقة و تلقى الصدى الايجابي المرجو و التفاعل المطلوب، والتعهد بقبول القراءة و التأمل و الإثراء الجاد المسؤول.. علها تكون مفتاحا لبحث حل وطني توافقي للأزمة السياسية المستمرة..

قال تعالى في محكم التنزيل: ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب.)  صدق الله العظيم

                                     اللهم إنا قد بلغنا… اللهم فاشهد.

             الجزائر في: 14 جوان 2019

عن مجموعة من النخب والكفاءات الوطنية:

المنسق الوطني العــام للمبـادرة 
الأستاذ الدكتور يوسف قاسمي
جـامعـة قـالمة

Gasmiyouceff66@yahoo.fr

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق محفوظة - الجزائر اليوم