أراء وتحاليلالجزائرالرئيسيةالعالمبين الفكر والسياسةسلايدر

هل الجزائر على حافة الحرب؟

نورالدين بوكروح

طالما ظنت الجزائر أن أكبر خطر حرب يتربص بها سيأتي من جارها على حدودها الغربية، المغرب، المسئول عن الخلافين اللذين تسببا في صدامهما العسكري مرتين.

كان الأول بسبب معارضة المغرب للحدود بين البلدين التي أدت لقيام “حرب الرمال” سنة 1963، وكان الثاني نتيجة احتلال المغرب للصحراء الغربية والتي أدت إلى اصطدام بين الجيشين، وإن كان خفيفا وعلى مرحلتين، (أمغالا 1 وأمغالا2) سنة 1976، ولم يكن فيهما رابح وخاسر.

بل خسر البلدان ومازالا يخسران على أصعدة أخرى.

بالفعل، ومع أن البلدين صرفا مليارات الدولارات لتجديد عتادهما كل مرة وبقيا يحتفظان على نفس مستوى التسلح تقريبا، إلا أنه لم يحدث أي صدام بينهما والحمد لله، إلا أن كليهما أخذا هذه المبالغ الهائلة من المصاريف التي كان يجب تخصيصها للتنمية.

وربما ستكون فرص التصادم أقل في المستقبل، لكن بشرط أن يعيد البلدان النظر في تصورهما لمعنى الأمن الوطني والمصلحة الوطنية، ويحضرا مع بعضهما مواجهة الإعصار الجيوستراتيجي الذي دمر الشرق الأوسط وهو الآن يتجه نحوهما.

لقد ظن الجميع ولمدة طويلة أن الأعاصير والزوابع التي أتت على الشرق الأوسط مند الحرب العالمية الأولى، ستبقى منحصرة هناك، ولن تصل إلى منطقة المغرب العربي، لكن يبدو أنه قد حان دورنا لتلقي الصدمة في الوجه، بعد أن فتح لها طريق عريض في الساحل وليبيا.

لم يسبق أن تمركزت قوى أجنبية بهذا الحجم في منطقتنا، ولن تعود أدراجها قبل أن تمزق هذا البلد وتستحوذ على خيراته. وبما أن الشهية تزداد بالأكل، فإن القوى المتنازعة للحصول على أكبر قدر من التأثير والفوز بالثروات الطبيعية في جميع أنحاء العالم، لن تتوانى عن الذهاب بعيدا في منطقة المغرب العربي والزج بها في نفس المتاهة.

بالفعل، وبعد أن تأخذ مواقعها بصفة أكيدة وعلى المدى الطويل في ليبيا وبلدان الساحل المجاورة لنا، فإن هذه القوى ستلتفت للقطعة الكبيرة في القارة الإفريقية، البلد القارة، الجزائر. وللعلم، فإن القوى التي استعمرت الجزائر في الماضي بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، وهي الإمبراطورية العثمانية (تركيا حاليا) وفرنسا)، هي الآن متواجدة في عين المكان.

لن يتم الأمر بين عشية وضحاها في شكل اجتياح عسكري، لكن تدريجيا، لمسة بعد لمسة، بتقسيمنا وزعزعتنا بتشجيع الانفصالية واستعمال حركات الجهاد الإسلاموي وإضعاف الاقتصاد…

إن التهديد يطرق على أبوابنا. فالمغرب العربي على وشك فقدان ليبيا التي تريد البقاء في حضن الاتحاد المغاربي، وهي أحد حلقات المنطقة القوية بثروتها الطاقوية.

تونس هي الآن تتزعزع بسبب عدم قدرة طبقتها السياسية على إيجاد حل للحكم المشترك منذ أشهر.

وتبقى القاطرتان في المغرب العربي، الجزائر والمغرب، ويجب عليهما التفكير في اغتنام الوقت المتبقي قبل وصول العاصفة لينسقا سياستهما الخارجية والخروج للعالم بمواقف مشتركة أمام ما يحدث حاليا.

على الخمس بلدان التي أمضت في الماضي على شهادة ميلاد اتحاد المغرب العربي أن تفهم اليوم أنه من أقصى الضروريات إعادة فتح الموضوع إذا أرادت أن تبقى بعد مرور الإعصار الذي سيجتاح منطقتهم التي بقت مدة طويلة خارج دائرة النزاعات العالمية.

لكن، يمكننا القول أيضا أنه إذا كان التهديد الملم بنا سيعمل مفعوله لإيقاظنا للرهانات التي تعنينا، علينا أيضا أن الحلول موجودة، وفي متناول أيدينا، حتى و لو لسنا واعين بها كلية الآن.

في الوقت الذي يقوم فيه الحديث في بلادنا عن دستور جديد تكرس سيادة الشعب وترسيخ حكم ديمقراطي حديث، ديمقراطية وشعبية، وهي الضمانات الوحيدة لمستقبل وطني صلب، يجب التفكير أيضا في إعادة نظر عميقة لتصورنا للعالم والعلاقات الدولية واستعمال قواتنا المسلحة، لأن أمن الوطن، لا يتوقف عند حماية حدوده، و الأمر الذي بدأنا نتفطن إليه أخيرا.

إن دستورا يجعل من الإرادة الشعبية حقيقة ملموسة سيكون حقا كفيلا بإعادة اللحمة الوطنية ويجعل البلد أكثر قوة وصلابة و حتى لنقل، لا يمكن هزمه.

إنه أول تحدي يجب على الرئيس الجديد الذي لا يمكنه يقينا تعزيز شرعيته المنقوصة بوعوده خلق مصلحة داخل الرئاسة لإعادة جثمان الجزائريين من الخارج مجانا، أو بالتدخل في قضايا الأكياس البلاستيكية، أو بإعفاء الأجراء من دفع الضريبة على الدخل الإجمالي، أو أي أفكار أخرى المستقاة من الشعبوية التي أساءت للبلد كثيرا منذ الاستقلال.

بل سينال شرعيته بدفعه، وتفسيره ولم الشمل حول الجزائر الجديدة في المؤسسات، والإدارة، والسياسية، والاقتصاد والثقافة، والاستفاقة للأخطار التي ستحيط بها.

على الرئيس الجديد أن ينظر إلى نفسه على أنه الرئيس الذي سيقود التحول إلى دولة القانون الديمقراطي والاجتماعي الذي يطالب بها الشعب الذي يتظاهر سلميا منذ سنة تقريبا، وعليه أن يتحدث إليه بهذه الصفة. ويمكنه، إذا أراد الحصول على كامل الشرعية التي يحتاجها للقيام بالتغيرات التي يحتاجها، إلى حد العودة إلى انتخاب جديد يكون طرفا فيه، بعد استكماله للدستور الجديد والقوانين الجديدة حول الأحزاب والنظام الانتخابي.

وبدون ثقة الجزائريين وانتخابهم، سيبقى رئيسا لا حقيقة له وبدون حرية التحرك التامة، مكروه في بلده ومحتقر في الخارج وسيفتح بيده الباب على مصراعيه لهذا الأخير لكي يتدخل في شؤوننا لتوسيع خطوط الشرخ بيننا.

“إذا كنت لا تريد الحرب، عليك بإعداد السلم”، هكذا سيكون جوابي للمقولة اللاتينية المشهورة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى